الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

70

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

« سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ » ذكر ها هنا وفي الحشر والصّف بلفظ الماضي ، وفي الجمعة والتّغابن بلفظ المضارع ، إشعارا بأنّ من شأن ما أسند إليه أن يسبّحه في جميع أوقاته لأنّه دلالة جبليّة ( 1 ) لا تختلف باختلاف الحالات . ومجئ المصدر مطلقا في سورة بني إسرائيل ( 2 ) أبلغ ، من حيث أنّه يشعر بإطلاقه على استحقاقه التّسبيح من كلّ شيء وفي كلّ حال . وإنّما عدّي بالَّلام وهو معدّي بنفسه ، مثل : نصحت له ، في « نصحته » إشعارا بأنّ إيقاع الفعل لأجل اللَّه خالصا لوجهه . « وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) » : حال يشعر بما هو المبدأ للتّسبيح . وفي تفسير عليّ بن إبراهيم ( 3 ) : « سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ » قال : هو قوله : أعطيت جوامع الكلم . « لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ » : فإنّه الموجد والمتصرّف فيها . « يُحْيِي ويُمِيتُ » : استئناف . أو خبر لمحذوف . أو حال من المجرور في « له » . « وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ » : من الإحياء والإماتة وغيرهما . « قَدِيرٌ ( 2 ) » : تامّ القدرة . « هُوَ الأَوَّلُ » : السّابق على سائر الموجودات ، من حيث أنّه موجدها ومحدثها . « والآخِرُ » : الباقي بعد فنائها ولو بالنّظر إلى ذاتها مع قطع النّظر عن غيرها ( 4 ) . أو هو الأوّل الَّذي تبتدئ منه الأسباب ، والآخر الَّذي تنتهي إليه المسبّبات . أو الأوّل خارجا ، والآخر ذهنا ( 5 ) .

--> 1 - أي : المراد من التسبيح دلالة المسبّحين على وجوده وصفاته الكاملة ، وهذه دلالة جبليّة لا تختلف باختلاف الحالات . 2 - أي : قوله - تعالى - : « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ » . 3 - تفسير القمّي 2 / 350 . 4 - إنّما قال بالنظر إلى ذاتها لأنّ كلّ ممكن لا بدّ أن يكون كذلك على ما هو حكم البداهة بخلاف الفناء في الواقع بزوال الوجود عنها فإن عروضه لكلّ ممكن يحتاج إلى دليل . 5 - فمعناه : أنّه يقال أوّل الموجودات في الخارج إذ هو الفاعل الحقيقيّ لكلّ ممكن وهو الآخر ذهنا باعتبار أنّ العقل ينتقل من الممكنات إلى الواجب لأنّه يعلم أنّ الممكن ليس وجوده من ذاته فيجب انتهاء سلسلة الممكنات إلى ما هو وجوده من ذاته وهو الواجب تعالى .