الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

584

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

والاستثناء منقطع ، ورفع المستثنى على اللَّغة التّميمّة للدّلالة على أنّه - تعالى - إن كان ممّن في السّموات والأرض ففيها من يعلم الغيب مبالغة في نفيه عنهم . أو متّصل على أنّ المراد بمن في السّموات والأرض من تعلَّق علمه بها واطَّلع عليها اطَّلاع الحاضر فيها ، فإنّه يعمّ اللَّه - تعالى - وأولي العلم من خلقه ، وهو موصول أو موصوف . وفي نهج البلاغة ( 1 ) ، كلام يومئ به - عليه السّلام - إلى وصف الأتراك : كأنّي أراهم قوما كأنّ وجوههم المجانّ المطرّقة ( 2 ) ، يلبسون السرق ( 3 ) والدّيباج ، ويعتقبون الخيل العتاق ( 4 ) . ويكون هنا استحرار ( 5 ) قتل حتّى يمشي المجروح على المقتول ، ويكون المفلت أقلّ من المأسور ! فقال له بعض أصحابه : لقد أعطيت ، يا أمير المؤمنين ، علم الغيب ! فضحك - عليه السّلام - وقال للرّجل ، وكان كلبيّا : يا أخا كلب ، ليس هو بعلم غيب ، وإنّما هو تعلَّم من ذي علم . وإنّما علم الغيب علم السّاعة ، وما عدّده اللَّه - سبحانه - بقوله : إِنَّ اللَّهً عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ( الآية ) فيعلم - سبحانه - ما في الأرحام من ذكر أو أنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخيّ أو بخيل ، وشقيّ أو سعيد ، ومن يكون للنّار ( 6 ) حطبا ، أو في الجنان للنّبيّين مرافقا . فهذا علم الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا اللَّه ، وما سوى ذلك فعلم علَّمه اللَّه نبيّه - صلَّى اللَّه عليه وآله - فعلَّمنيه ، ودعا لي أن يعيه صدري ، وتضطَّم عليه جوانحي ( 7 ) . « وما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 65 ) » : متى ينشرون . مركّبة من « أيّ » و « آن » . وقرئت ( 8 ) ، بكسر الهمزة . والضّمير « لمن » . وقيل : للكفرة . « بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ » لمّا نفى عنهم علم الغيب ، وأكّده بنفي شعورهم بما هو مآلهم لا محال ، بالغ فيه بأن أضرب عنه وبيّن أنّهم يعلمون حقيقة ذلك يوم القيامة ، فقال : « بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي

--> 1 - النهج / 186 ، الخطبة 128 . 2 - كذا في المصدر . وفي النسخ : المطرفة . والمجان المطرقة : النعال التي الزق بها الطراق وهو جلد يقور على مقدار الترس ثم يلزق به . 3 - كذا في المصدر . وفي س ، أ ، م ، ن : الرق . وفي غيرها : الإستبرق . والسرق : شقق الحرير الأبيض . 4 - أي : يحبسون كرائم الخيل ويمنعونها غيرهم . 5 - كذا في المصدر . وفي النسخ : استجرار . والاستحرار هو الاشتداد . 6 - المصدر : في النار . 7 - كذا في المصدر . وفي النسخ : جوارحي . 8 - أنوار التنزيل 2 / 181 .