الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

460

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

استئناف أتبعه إرساله إليهم للإنذار ، تعجبّا له من إفراطهم في الظَّلم واجترائهم عليه . وقرئ ( 1 ) بالتّاء ، على الالتفات إليهم ، زجرا لهم وغضبا عليهم . وهم - وإن كانوا غيّبا حينئذ - أجروا مجرى الحاضرين في كلام المرسل إليهم ، من حيث إنّه مبلَّغه إليهم ، واستماعه مبدأ استماعهم ، مع ما فيه من مزيد الحثّ على التّقوى لمن تدبّره وتأمّل مورده . وقرئ ( 2 ) بكسر النّون ، اكتفاء بها عن ياء الإضافة . ويحتمل أن يكون بمعنى ألا يا ناس اتّقون ، كقوله : ألا يا اسجدوا . « قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) » « ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ( 13 ) » : رتّب استدعاء ضمّ أخيه إليه وإشراكه له في الأمر على الأمور الثّلاثة : خوف التّكذيب ، وضيق القلب انفعالا عنه ، وازدياد الحبسة في اللَّسان ، بانقباض الرّوح إلى باطن القلب عند ضيقه ، بحيث لا ينطلق . لأنّها إذا اجتمعت مسّت الحاجة إلى معين يقوّي قلبه وينوب منابه متى تعتريه حبسة ، حتّى لا تختلّ دعوته ، ولا تنبتر حجّته . وليس ذلك تعلَّلا منه وتوقّفا في تلَّقي الأمر ، بل طلبا لما يكون معونة على امتثاله وتمهيد عذره فيه . وقرأ ( 3 ) يعقوب : « ويضيق » و « لا ينطلق » بالنّصب ، عطفا على « يكذّبون » . فيكونان من جملة ما خاف منه . وفي مجمع البيان ( 4 ) : قال الجبّائيّ : لم يسأل موسى ذلك إلَّا بعد أن أذن اللَّه له في ذلك . لأنّ الأنبياء لا يسألون اللَّه إلَّا ما يؤذن لهم في مسألته . « ولَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ » ، أي : دعوى ذنب . فحذف المضاف وسمّي باسمه . والمراد قتل القبطيّ . وهذا إنّما سمّاه ذنبا على زعمهم . وهذا اقتصار ، قصّته المبسوطة في مواضع . « فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 ) » به ، قبل أداء الرّسالة . وهو أيضا ليس تعلَّلا . وإنّما هو استدفاع للبليّة المتوقّعة ، كما أنّ ذلك استمداد واستظهار في أمر الدّعوة .

--> 1 و 2 - أنوار التنزيل 2 / 154 . 3 - نفس المصدر والموضع . 4 - مجمع البيان 4 / 186 .