الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
407
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
وكلّ الأشياء تعرف بأضدادها . وقيل ( 1 ) : جعلنا الشّمس عليه دليلا ، بإذهابها إيّاه عند مجيئها . وقيل ( 2 ) : لأنّ الظَّل يتبع الشّمس في طوله وقصره ، كما يتبع السّائر الدّليل . فإذا ارتفعت الشّمس ، قصر الظَّلّ . وإذا انحطَّت الشّمس ، طال الظَّلّ . وقيل ( 3 ) : إنّ « على » هنا بمعنى « مع » . فالمعنى : ثمّ جعلنا الشّمس مع الظَّلّ دليلا على وحدانيّتنا . « ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا » ، أي : أزلناه بإيقاع الشّمس موقعه . لمّا عبّر عن إحداثه بالمدّ بمعنى التّيسير ، عبّر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الَّذي هو في معنى الكفّ . « قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) » : قليلا قليلا ، حسبما ترتفع الشّمس ، لينتظم بذلك مصالح الكون ، ويتحصّل به مالا يحصى من منافع الخلق . و « ثمّ » في الموضعين لتفاضل الأمور ، أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها . وقيل ( 4 ) : مدّ الظَّلّ لمّا بنى السّماء بلا نيّر ، ودحا الأرض تحتها . فألقت عليها ظلَّها ، ولو شاء لجعله ثابتا على تلك الحالة . ثمّ خلق الشّمس عليه دليلا ، أي مسلَّطا عليه مستتبعا إيّاه ، كما يستتبع الدّليل المدلول أو دليل الطَّريق من يهديه . فإنّه يتفاوت بحركتها ويتحوّل بتحولَّها . « ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً » شيئا فشيئا ، إلى تنتهي غاية نقصانه . أو قبضا سهلا عند قيام السّاعة ، بقبض أسبابه من الأجرام المظلَّة والمظلّ عليها . « وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً » : شبّه ظلامه باللَّباس في ستره . « والنَّوْمَ سُباتاً » : راحة للأبدان بقطع المشاغل . وأصل السّبت ، القطع . أو : موتا ، كقوله ( 5 ) : وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ . لأنّه قطع الحياة . ومنه : المسبوت ، للميّت . « وجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) » : ذا نشور ، أي : انتشار ينتشر فيه النّاس للمعاش . أو بعث من النّوم ، بعث الأموات . فيكون إشارة إلى أنّ النّوم واليقظة ، أنموذج للموت والنّشور .
--> 1 و 2 و 3 - نفس المصدر والموضع . 4 - أنوار التنزيل 2 / 146 - 147 . 5 - الانعام / 60 .