الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

368

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

« إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 ) » ، فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون ، مع كمال قدرته عليها واستحقاقكم أن يصبّ عليكم العذاب صبّا . وفي تفسير عليّ بن إبراهيم ( 1 ) : ثمّ حكى - عزّ وجلّ - أيضا « وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا » يعني القرآن ، « إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ » ، قالوا : إن هذا الَّذي يقرؤه رسول اللَّه ( 2 ) - صلَّى اللَّه عليه وآله - ويخبرنا به ، إنّما يتعلَّمه من اليهود ويكتبه من علماء النّصارى ، ويكتب عن رجل يقال له ابن قبيطة وينقله عنه بالغداة والعشي فحكى - سبحانه وتعالى ( 3 ) - قولهم وردّ عليهم . فقال - جلّ ذكره - : « وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ » - إلى قوله : - « بُكْرَةً وأَصِيلاً » . فردّ اللَّه - عزّ وجلّ - عليهم فقال : « قُلْ » لهم - يا محمّد - : « أَنْزَلَهُ » الله « الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً » . وقوله - عزّ وجلّ : « أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها » ، فهو قول النّضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة . « وقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ » : ما لهذا الَّذي يزعم الرّسالة - وفيه استهانة وتهكّم - « يَأْكُلُ الطَّعامَ » كما نأكل ! ؟ « ويَمْشِي فِي الأَسْواقِ » : يطلب المعاش ، كما نمشي ! ؟ والمعنى : إن صحّ دعواه ، فما باله لم يخالف حاله ( 4 ) حالنا ! ؟ وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات . فإنّ تميّز الرّسل عمّن عداهم ، ليس بأمور جسمانيّة ، وإنّما هو بأحوال نفسانيّة . كما أشار إليه بقوله ( 5 ) - تعالى - : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ . « لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ( 7 ) » : ليعلم صدقه بتصديق الملك ! ؟ « أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ » ، فيستظهر به ، ويستغني عن تحصيل المعاش ! ؟ « أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها » ! ؟ هذا على سبيل التّنزّل ، أي إن لم يلق إليه كنز ، فلا أقلّ أن يكون له بستان ، كما

--> 1 - تفسير القمي 2 / 111 . 2 - المصدر : يقرؤه محمّد . 3 - المصدر : فحكى اللَّه . 4 - ليس في م . 5 - الكهف / 110 .