الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

336

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

بعث اللَّه - تبارك وتعالى - جبرئيل ( 1 ) الرّوح الأمين معه بسبع نويات . فقال : يا نبيّ اللَّه ، إنّ اللَّه - تبارك وتعالى - يقول لك : إنّ هؤلاء خلائقي وعبادي ، لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي ، إلَّا بعد تأكيد الدّعوة وإلزام الحجّة . فعاود اجتهادك في الدّعوة لقومك . فإنّي مثيبك عليه . واغرس هذا النّوى ، فإنّ لك في نباتها وبلوغها وإدراكها - إذا أثمرت - الفرج والخلاص . فبشّر بذلك من اتّبعك من المؤمنين . فلمّا نبتت الأشجار ، وتأزّرت ( 2 ) وتسوقت وتغصّنت وأثمرت ، وزها الثّمر ( 3 ) عليها بعد زمان طويل ، استنجز من اللَّه - سبحانه وتعالى - العدة . فأمره اللَّه - تبارك وتعالى - أن يغرس نوى تلك الأشجار ، ويعاود الصبر والاجتهاد ، ويؤكّد الحجّة على قومه . فأخبر بذلك الطَّوائف الَّتي آمنت به . فارتدّ منهم ثلاثمائة رجل ، وقالوا : لو كان ما يدّعيه نوح حقّا ، لما وقع في وعد ربّه خلف ! ثمّ إنّ اللَّه - تبارك وتعالى - لم يزل يأمره عند كلّ مرّة ، بأن يغرسها مرّة بعد أخرى ، إلى أن غرسها سبع مرّات . فما زالت تلك الطَّوائف من المؤمنين ترتدّ منه طائفة بعد طائفة ، إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا . فأوحى اللَّه - تبارك وتعالى - عند ذلك إليه ، وقال : يا نوح ، الآن أسفر الصّبح عن اللَّيل لعينك ، حين صرح الحقّ عن محضه وصفا [ الأمر والايمان من ] ( 4 ) الكدر ، بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة . فلو أنّي أهلكت الكفّار ، وأبقيت من قد ارتدّ من الطَّوائف الَّتي كانت آمنت بك ، لما كنت صدّقت وعدي السّابق للمؤمنين - الَّذين أخلصوا التّوحيد من قومك واعتصموا بحبل نبوّتك - بأن أستخلفهم في الأرض ، وأمكّن لهم دينهم ، وأبدّل خوفهم بالأمن ، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشّرك ( 5 ) من قلوبهم .

--> 1 - ليس في المصدر . 2 - المؤازرة : أن يقوّي الزّرع بعضه بعضا فيلتفّ . وتسوّقت ، أي : قوي ساقها . وتغصّنت ، أي : كثرت وقويت أغصانها . وزهو الثّمرة : احمرارها واصفرارها . 3 - المصدر : التّمر . 4 - من المصدر . 5 - المصدر : الشكّ .