الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
215
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
عبد الرّحمن بن حمّاد ، عن عمر ( 1 ) بن يزيد قال : قلت لأبي عبد اللَّه - عليه السّلام - : إنّي سمعتك وأنت تقول : كلّ شيعتنا في الجنّة على ما كان فيهم . قال : صدقتك . كلَّهم - واللَّه ! - في الجنّة . قال : قلت : جعلت فداك ، إنّ الذّنوب كثيرة كبار ! فقال : أمّا في القيامة ، فكلَّكم في الجنّة ، بشفاعة النّبيّ المطاع ، أو وصيّ النّبيّ . ولكنّي واللَّه أتخوّف عليكم في البرزخ . [ قلت : وما البرزخ ؟ فقال : القبر ، منذ حين موته إلى يوم القيامة . وفي نهج البلاغة ( 2 ) : قال - عليه السّلام - : سلكوا في بطون البرزخ ] ( 3 ) سبيلا سلَّطت الأرض عليهم فيه . فأكلت من لحومهم وشربت من دمائهم . فأصبحوا في فجوات ( 4 ) قبورهم جمادا لا ينمون ( 5 ) ، وضمارا ( 6 ) لا يوجدون . لا يفزعهم ورود الأهوال . ولا يحزنهم تنكّر الأحوال . ولا يحفلون ( 7 ) بالرّواجف ( 8 ) ، ولا يأذنون ( 9 ) للقواصف ( 10 ) . غيّبا لا ينتظرون وشهودا لا يحضرون . وإنّما كانوا جميعا ، فتشتّتوا ، وآلافا ( 11 ) فافترقوا . وما عن طول عهدهم ولا بعد محلَّهم عميت أخبارهم وصمّت ديارهم ، ولكنّهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنّطق خرسا ، وبالسّمع صمما ، وبالحركات سكونا .
--> 1 - المصدر : عمرو . 2 - نهج البلاغة / 339 ، الخطبة 221 . 3 - ليس في أ . 4 - قوله - عليه السّلام - : « في فجوات » هي جمع فجوة ، وهي الفرجة المتّسعة بين الشيئين . « وجمادا لا ينمون » قال الشارح المعتزلي : أي : خرجوا عن صورة الحيوانيّة إلى صورة الجماد الَّذي لا ينمو ولا يزيد . ويروى : « لا ينمّون » - بتشديد الميم - من النميمة ، وهي : الهمس والحركة . ومنه قولهم : « أسكت اللَّه نامّته » في قول من شدّد ولم يهمّز . 5 - في هامش نسخة « م » : قوله - عليه السّلام - جمادا لا ينمون لعلّ فيه إشارة إلى أنّ جسد الإنسان حين صيرورته ترابا لا يستحيل كسائر التّراب نباتا وشجرا وثمرا بل كبرادة الذّهب يبقى كما له مختلطا بسائر التّراب إلى أن يتميّز بينهما الماء - مثلا - إذ قذف التّراب في طست فيه ماء فإنّ التّراب يختلط بالماء ويرتفع وتبقى البرادة راسبة بسماكته ومن ذلك يتّجه أحد الأجوبة لشبهة الأكل والمأكول في الميعاد . ص 6 - الضّمار : المال لا يرجى رجوعه . 7 - أي : لا يبالون . 8 - الرّواجف : جمع راجفة : الزّلزلة توجب الاضطراب . 9 - أي : يستمعون . والمصدر منه : الأذن - بالتحريك . 10 - القواصف : من : قصف الرعد : اشتدّت قصفته . 11 - آلاف : جمع أليف ، أي : مؤتلف مع غيره .