الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
189
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
« فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً » في الإهلاك . « وجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ » لم نبق منهم إلَّا حكايات يسمر بها . وهو اسم ( 1 ) جمع للحديث . أو جمع أحدوثة ، وهي ما يتحدّث به تلهّيا . « فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 44 ) » : « ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا » : بالآيات التّسع « وسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 45 ) » : وحجّة واضحة ملزمة للخصم . ويجوز أن يراد به العصى . وإفرادها لأنّها أولى المعجزات وأمّها تعلَّقت بها معجزات شتّى ، كانقلابها حيّة ، وتلقّفها [ ما أفكته ] ( 2 ) السّحرة ، وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها ، وحراستها ، ومصيرها شمعة وشجرة خضراء مثمرة ورشاء ودلوا . وأن يراد به المعجزات ، وبالآيات الحجج . وأن يراد بهما المعجزات ، فإنّها آيات للنّبوّة وحجّة بيّنة على ما يدّعيه النّبيّ . « إِلى فِرْعَوْنَ ومَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا » عن الإيمان والمتابعة . « وكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) » : متكبّرين . « فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا » : ثّنى البشر ، لأنّه يطلق للواحد - كقوله ( 3 ) : بَشَراً سَوِيًّا - كما يطلق للجمع ، كقوله ( 4 ) : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً . ولم يثنّ المثل ، لأنّه في حكم المصدر . وهذه القصص - كما ترى - تشهد بأنّ قصارى شبه المنكرين للنّبوّة قياس حال الأنبياء على أحوالهم ، لما بينهم من المماثلة في الحقيقة . وفساده يظهر للمستبصر بأذني تأمّل . فإنّ النّفوس البشريّة ، وإن تشاركت في أصل القوى والإدراك ، لكنّها متباينة الإقدام فيهما . وكما ترى في جانب النّقصان أغبياء لا يعود عليهم الفكر برادّة ، يمكن أن يكون في طرف الزّيادة أغنياء عن التّعلَّم والتّفكّر في أكثر الأشياء وأغلب الأحوال . فيدركون ما لا يدرك غيرهم . ويعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم . وإليه أشار بقوله ( 5 ) - تعالى - : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ .
--> 1 - ليس في أ . 2 - ليس في م . 3 - مريم / 17 . 4 - مريم / 26 . 5 - الكهف / 110 .