أبي بكر الكاشاني

261

بدائع الصنائع

اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن حرم لربائب المضافة إلى نسائنا المدخولات وإنما تكون المرأة مضافة الينا بالنكاح فكان الدخول بالنكاح شرط ثبوت الحرمة وهذا دخول بلا نكاح فلا تثبت به الحرمة ولا تثبت بالنظر أيضا لأنه ليس بمعنى الدخول ألا ترى أنه لا يفسد به الصوم ولا يجب به شئ في الاحرام وكذلك اللمس في قول وفى قول يثبت لأنه استمتاع بها من وجه فكان بمعنى الوطئ ولهذا حرم بسبب الاحرام كما حرم الوطئ وروى عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يتبع المرأة حراما أينكح ابنتها أو يتبع البنت حراما أينكح أمها فقال لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان نكاحا حلالا والتحريم بالزنا تحريم الحرام لحلال ولنا قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء والنكاح يستعمل في العقد والوطئ فلا يخلو اما أن يكون حقيقة لهما على الاشتراك واما أن يكون حقيقة لأحدهما مجازا للاخر وكيف ما كان يجب القول بتحريمهما جميعا إذ لا تنافى بينهما كأنه قال عز وجل ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء عقدا ووطأ وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها وروى حرمت عليه أمها وابنتها وهذا نص في الباب لأنه ليس فيه ذكر النكاح وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها ولو لم يكن النظر الأول محرما للثاني وهو النظر إلى فرج ابنتها لم يلحقه اللعن لان النظر إلى فرج المرأة المنكوحة نكاحا صحيحا مباحا فكيف يستحق اللعن فإذا ثبتت الحرمة بالنظر فبالدخول أولى وكذا باللمس لان النظر دون اللمس في تعلق الأحكام بهما ألا ترى انه يفسد الصوم بالانزال عن المس ولا يفسد بالانزال عن النظر إلى الفرج وفى الحج يلزمه بالمس عن شهوة الدم أنزل أو لم ينزل ولا يلزمه شئ بالنظر إلى الفرج عن شهوة أنزل أو لم ينزل فلما ثبتت الحرمة بالنظر فبالمس أولى ولان الحرمة إنما تثبت بالنكاح لكونه سببا داعيا إلى الجماع إقامة للسبب مقام المسبب في موضع الاحتياط كما أقيم النوم المفضى إلى الحدث مقام الحدث في انتقاض الطهارة احتياطا لأمر الصلاة والقبلة والمباشرة في التسبب والدعوة أبلغ من النكاح فكان أولى باثبات الحرمة ولان الوطئ الحلال إنما كان محرما للبنت بمعنى هو موجود هنا وهو انه يصير جامعا بين المرأة وبنتها في الوطئ من حيث المعنى لان وطئ إحداهما يذكره وطئ الأخرى فيصير كأنه قاض وطره منهما جميعا ويجوز أن يكون هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها وهذا المعنى موجود في الوطئ الحرام وأما الآية الكريمة فلا حجة له فيها بل هي حجة عليه لأنها تقتضي حرمة ربيبته التي هي بنت امرأته التي دخل بها مطلقا سواء دخل بها بعد النكاح أو قبله بالزنا واسم الدخول يقع على الحلال والحرام أو يحتمل أن يكون المراد الدخول بعد النكاح ويحتمل أن يكون قبله فكان الاحتياط هو القول بالحرمة وإذا احتمل هذا واحتمل هذا فلا يصح الاحتجاج به مع الاحتمال على أن في هذه الآية اثبات الحرمة بالدخول في النكاح وهذا ينفى الحرمة بالدخول بلا نكاح فكان هذا احتجاجا بالمسكوت عنه وانه لا يصح على أن في هذه الآية حجتنا على اثبات الحرمة بالمس لأنه ذكر الدخول بهن وحقيقة الدخول بالشئ عبارة عن ادخاله في العورة إلى الحصن فكان الدخول بها هو ادخالها في الحصن وذلك بأخذ يدها أو شئ منها ليكون هو الداخل بها فأما بدون ذلك فالمرأة هي الداخلة بنفسها فدل أن المس موجب للحرمة أو يحتمل الوطئ ويحتمل المس فيجب القول بالحرمة احتياطا وأما الحديث فقد قيل إنه ضعيف ثم هو خبر واحد مخالف للكتاب ولئن ثبت فنقول بموجبه لان المذكور فيه هو الاتباع لا الوطئ واتباعها أن يراودها عن نفسها وذا لا يحرم عندنا إذ المحرم هو الوطئ ولا ذكر له في الحديث والله عز وجل الموفق ( وأما ) النوع الثالث وهو المحرمات بالرضاعة فموضع بيانها كتاب الرضاع فكل من حرم لقرابة من الفرق السبع الذين وصفهم الله تعالى يحرم بالرضاعة الا أن الله تعالى بين