أبي بكر الكاشاني
241
بدائع الصنائع
الولاية هم العصبات فإن كان الرأي وتدبير القبيلة وصيانتها عما يوجب العار والشين إليهم فكانوا هم الذين يحرزون عن ذلك بالنظر والتأمل في أمر النكاح فكانوا هم المحقين بالولاية ولهذا كانت قرابة التعصيب مقدمة على قرابة الرحم بالاجماع ولأبي حنيفة عموم قوله تعالى وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من غير فصل بين العصبات وغيرهم فتثبت ولاية الانكاح على العموم الا من خص بدليل ولان سبب ثبوت الولاية هو مطلق القرابة وذاتها لما بينا أن القرابة حاملة على الشفقة في حق القريب داعية إليها وقد وجد ههنا فوجد السبب ووجد شرط الثبوت أيضا وهو عجز المولى عليه عن المباشرة بنفسه وإنما العصوبة وقرب القرابة شرط التقدم لا شرط ثبوت أصل الولاية فلا جرم العصبة تتقدم على ذي الرحم والأقرب من غير العصبة يتقدم على الابعد ولأن ولاية الانكاح مرتبة على استحقاق الميراث لاتحاد سبب ثبوتها وهو القرابة فكل من استحق من الميراث استحق الولاية ألا ترى أن الأب إذا كان عبدا لا ولاية له لان العبد لا يرث أحدا وكذا إذا كان كافرا والمولى عليه مسلم لا ولاية له لأنه لا يرثه وكذا إذا كان مسلما والمولى عليه كافر لا ولاية له لأنه لا ميراث له منه فثبت أن الولاية تدور مع استحقاق الميراث فثبت لكل قريب يرث يزوج ولا يلزم على هذه القاعدة المولى انه يزوج ولا يرث وكذا الامام يزوج ولا يرث لان هذا عكس العلة لان طرد ما قلنا إن كل من يرث يزوج وهذا مطرد على أصل أبي حنيفة وعكسه ان كل من لا يرث لا يزوج والشرط في العلل الشرعية الاطراد دون الانعكاس لجواز اثبات الحكم الشرعي بعلل ثم نقول ما قلناه منعكس أيضا ألا ترى أن للمولى الولاء في مملوكه وهو نوع ارث وأما الامام فهو نائب عن جماعة المسلمين وهم يرثون من لا ولى له من جهة الملك والقرابة والولاء ألا ترى أن ميراثه لبيت المال وبيت المال ما لهم فكانت الولاية في الحقيقة لهم وإنما الامام نائب عنهم فيتزوجون ويرثون أيضا فاطرد هذا الأصل وانعكس بحمد الله تعالى وأما قول علي رضي الله عنه النكاح إلى العصبات فالمراد منه حال وجود العصبة لاستحالة تفويض النكاح إلى العصبة ولا عصبة ونحن به نقول إن النكاح إلى العصبات حال وجود العصبة ولا كلام فيه والله أعلم * ( فصل ) * وأما الذي يرجع إلى المولى عليه فنقول الولاية بالنسبة إلى المولى عليه نوعان ولاية حتم وايجاب وولاية ندب واستحباب وهذا على أصل أبي حنيفة وأبى يوسف الأول وأما على أصل محمد فهي نوعان أيضا ولاية استبداد وولاية شركة وهي قول أبى يوسف الآخر وكذا نقول الشافعي الا أن بينهما اختلاف في كيفية الشركة على ما نذكر إن شاء الله وأما ولاية الحتم والايجاب والاستبداد فشرط ثبوتها على أصل أصحابنا كون المولى عليه صغيرا أو صغيرة أو مجنونا كبيرا أو مجنونة كبيرة سواء كانت الصغيرة بكرا أو ثيبا فلا تثبت هذه الولاية على البالغ العاقل ولا على العاقلة البالغة وعلى أصل الشافعي شرط ثبوت ولاية الاستبداد في الغلام هو الصغر وفى الجارية البكارة سواء كانت صغيرة أو بالغة فلا تثبت هذه الولاية عنده على الثيب سواء كانت بالغة أو صغيرة والأصل ان هذه الولاية على أصل أصحابنا تدور مع الصغر وجودا وعدما في الصغير والصغيرة وعنده في الصغير كذلك اما في الصغيرة فإنها تدور مع البكارة وجودا وعدما وفى الكبير والكبيرة تدور مع الجنون وجودا وعدما سواء كان الجنون أصليا بأن بلغ مجنونا أو عارضا بأن طرأ بعد البلوغ عندنا وقال زفر إذا طرأ الجنون لم يجز للمولى التزويج وعلى هذا يبتنى أن الأب والجد لا يملكان انكاح البكر البالغة بغير رضاها عندنا وقال الشافعي يملكانه ولا خلاف في أنهما لا يملكان انكاح الثيب البالغة بغير رضاها ( وجه ) قوله إن البكر وإن كانت عاقلة بالغة فلا تعلم بمصالح النكاح لان العلم بها يقف على التجربة