أبي بكر الكاشاني
226
بدائع الصنائع
ولا يجب عليه مكانه آخر لأنه لم يكن واجبا عليه ويتصدق بجلالها وخطامها لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه تصدق بجلالها وخطامها ولا تعط الجزار منها شيئا ولا يجوز له أن يأكل من دم النذر شيئا وجملة الكلام فيه ان الدماء نوعان نوع يجوز لصاحب الدم ان يأكل منه وهو دم المتعة والقران والأضحية وهدى التطوع إذا بلغ محله ونوع لا يجوز له أن يأكل منه وهو دم النذر والكفارات وهدى الاحصار وهدى التطوع إذا لم يبلغ محله لان الدم في النوع الأول دم شكر فكان نسكا فكان له أن يأكل منه ودم النذر دم صدقة وكذا دم الكفارة في معناه لأنه وجب تكفير الذنب وكذا دم الاحصار لوجود التحلل والخروج من الاحرام قبل أوانه وهدى التطوع إذا لم يبلغ محله بمعنى القربة في التصدق به فكان دم صدقة وكل دم يجوز له ان يأكل منه لا يجب عليه التصدق بلحمه بعد الذبح لأنه لو وجب عليه التصدق به لما جاز أكله لما فيه من ابطال حق الفقراء وكل ما لا يجوز له ان يأكل منه يجب عليه التصدق به بعد الذبح لأنه إذا لم يجز له أكله ولا يتصدق به يؤدى إلى إضاعة المال وكذا لو هلك المذبوح بعد الذبح لا ضمان عليه في النوعين لأنه لا صنع له في الهلاك وان استهلكه بعد الذبح فإن كان مما يجب عليه التصدق به يضمن قيمته فيتصدق بها لأنه تعلق به حق الفقراء فبالاستهلاك تعدى على حقهم فيضمن قيمته ويتصدق بها لأنها بدل أصل مال واجب التصدق به وإن كان مما لا يجب التصدق به لا يضمن شيئا لأنه لم يوجد منه التعدي باتلاف حق الفقراء لعدم تعلق حقهم به ولو باع اللحم يجوز بيعه في النوعين جميعا لان ملكه قائم الا أن فيما لا يجوز له أكله ويجب عليه التصدق به يتصدق بثمنه لان ثمنه مبيع واجب التصدق به لتعلق حق الفقراء به فيتمكن في ثمنه حنث فكان سبيله التصدق به والله تعالى أعلم * ( فصل ) * وأما العمرة فالكلام فيها يقع في مواضع في بيان صفتها أنها واجبة أم لا وفي بيان شرائط وجوبها إن كانت واجبة وفي بيان ركنها وفي بيان شرائط الركن وفي بيان واجباتها وفي بيان سننها وفي بيان ما يفسدها وفي بيان حكمها إذا فسدت ( أما ) الأول فقد اختلف فيها قال أصحابنا انها واجبة كصدقة الفطر والأضحية والوتر ومنهم من أطلق اسم السنة وهذا الاطلاق لا ينافي الواجب وقال الشافعي انها فريضة وقال بعضهم هي تطوع واحتج هؤلاء بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحج مكتوب والعمرة تطوع وهذا نص وعن جابر رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله العمرة أهي واجبة قال لا وان تعتمر خير لك واحتج الشافعي بقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله والامر للفرضية وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال العمرة هي الحجة الصغرى وقد ثبت فرضية الحج بنص الكتاب العزيز ولنا على الشافعي قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ولم يذكر العمرة لان مطلق اسم الحج لا يقع على العمرة فمن قال إنها فريضة فقد زاد على النص فلا يجوز الا بدليل وكذا حديث الاعرابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن الايمان والشرائع فبين له الايمان وبين له الشرائع ولم يذكر فيها العمرة فقال الاعرابي هل على شئ غير هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا الا أن تطوع فظاهره يقتضى انتفاء فريضة العمرة وأما الآية الكريمة فلا دلالة فيها على فرضية العمرة لأنها قرئت برفع العمرة والعمرة لله وانه كلام تام بنفسه غير معطوف على الامر بالحج أخبر الله تعالى ان العمرة لله ردا لزعم الكفرة لأنهم كانوا يجعلون العمرة للأصنام على ما كانت عبادتهم من الاشراك وأما على قراءة العامة فلا حجة له فيها أيضا لان فيها أمرا باتمام العمرة واتمام الشئ يكون بعد الشروع فيه وبه نقول إنها بالشروع تصير فريضة مع ما أنه روى عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا في تأويل الآية اتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك على أن هذا إن كان أمرا بانشاء العمرة فما الدليل على أن مطلق الامر يفيد الفرضية بل الفرضية عندنا ثبتت بدليل زائد وراء نفس الامر وإنما يحمل على الوجوب احتياطا وبه نقول إن العمرة واجبة ولكنها ليست بفريضة وتسميتها حجة صغرى في الحديث يحتمل أن يكون في حكم الثواب لأنها ليس بحجة حقيقة