أبي بكر الكاشاني
211
بدائع الصنائع
الأمة على ذلك فان الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا يزرعون في الحرم ويحصدونه من غير تكبير من أحد وكذا ما لا ينبته الناس عادة إذا أنبته أحد مثل شجر أم غيلان وشجر الأراك ونحوهما فلا بأس بقطعه وإذا قطعه فلا ضمان عليه لأجل الحرم لأنه ملكه بالانبات فلم يكن من شجر الحرم فصار كالذي ينبته الناس عادة شجرة أصلها في الحرم وأغصانها في الحل فهي من شجر الحرم وإن كان أصلها في الحل وأغصانها في الحرم فهي من شجر الحل ينظر في ذلك إلى الأصل لا إلى الأغصان لان الأغصان تابعة للأصل فيعتبر فيه موضع الأصل لا التابع وإن كان بعض أصلها في الحرم والبعض في الحل فهي من شجر الحرم لأنه اجتمع فيه الحظر والإباحة فيرجح الحاظر احتياطا وهذا بخلاف الصيد فان المعتبر فيه موضع قوائم الطير إذا كان مستقرا به فإن كان الطير على غصن هو في الحرم لا يجوز له أن يرميه وإن كان أصل الشجر في الحل وإن كان على غصن هو في الحل فلا بأس له أن يرميه وإن كان أصل الشجر في الحرم ينظر إلى مكان قوائم الصيد لا إلى أصل الشجر لان قوام الصيد بقوائمه حتى لو رمى صيدا قوائمه في الحرم ورأسه في الحل فهو من صيد الحرم لا يجوز للمحرم والحلال أن يقتله ولو رمى صيدا قوائمه في الحل ورأسه في الحرم فهو من صيد الحل ولا بأس للحلال أن يقتله وكذا إذا كان بعض قوائمه في الحرم وبعضها في الحل فهو صيد الحرم ترجيحا لجانب الحرمة احتياطا هذا إذا كان قائما فاما إذا نام فجعل قوائمه في الحل ورأسه في الحرم فهو من صيد الحرم لان القوائم إنما تعتبر إذا كان مستقرا بها وهو غير مستقر بقوائمه بل هو كالملقى على الأرض وإذا بطل اعتبار القوائم فاجتمع فيه الحاظر والمبيح فيترجح جانب الحاظر احتياطا ولا بأس بأخذه كمأة الحرم لان الكمأة ليست من جنس النبات بل هي من ودائع الأرض وقال أبو حنيفة لا بأس باخراج حجارة الحرم وترابه إلى الحل لان الناس يخرجون القدور من مكة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير ولأنه يجوز استهلاكه باستعماله في الحرم فيجوز اخراجه إلى الحل وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما كراهة ذلك بقوله عز وجل أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا جعل الله تعالى نفس الحرم آمنا ولان الحرم لما أفاد الامن لغيره فلان يفيد لنفسه أولى ثم إنما يجب على المحرم اجتناب محظورات الاحرام والحرم وتثبت أحكامها إذا فعل إذا كان مخاطبا بالشرائع فاما إذا لم يكن مخاطبا كالصبي العاقل لا يجب ولا يثبت حتى لو فعل شيئا من محظورات الاحرام والحرم فلا شئ عليه ولا على وليه لان الحرمة بسبب الاحرام والحرم يثبت حقا لله تعالى والصبي غير مؤاخذ بحقوق الله تعالى ولكن ينبغي للولي أن يجنبه ما يجتنبه المحرم تأدبا وتعودا كما يأمره بالصلاة وأما العبد إذا أحرم بإذن مولاه فإنه يجب عليه اجتناب لأنه من أهل الخطاب فان فعل شيئا من المحظورات فإن كان مما يجوز فيه الصوم يصوم وإن كان مما لا يجوز فيه الا الفدية أو الاطعام لا يجب عليه ذلك في الحال وإنما يجب بعد العتق ولو فعل في حال الرق لا يجوز لأنه لا ملك له وكذا لو فعل عنه مولاه أو غيره لأنه ليس من أهل الملك فلا يملك وان ملك وإذا فرغنا من فصول الاحرام وما يتصل به فلنرجع إلى ما كنا فيه وهو بيان شرائط الأركان وقد ذكرنا جملة منها فمنها الاسلام ومنها العقل ومنها النية ومنها الاحرام وقد ذكرناه بجميع فصوله وعلائقه وما اتصل به ومنها الوقت فلا يجوز الوقوف بعرفة قبل يوم عرفة ولا طواف الزيارة قبل يوم النحر ولا أداء شئ من أفعال الحج قبل وقته لان الحج عبادة مؤقتة قال الله تعالى الحج أشهر معلومات والعبادات المؤقتة لا يجوز أداؤها قبل أوقاتها كالصلاة والصوم وكذا إذا فات الوقوف بعرفة عن وقته الذي ذكرناه فيما تقدم لا يجوز الوقوف في يوم آخر ويفوت الحج في تلك السنة الا لضرورة الاشتباه استحسانا بان اشتبه عليهم هلال ذي الحجة فوقفوا ثم تبين انهم وقفوا يوم النحر على ما ذكرنا فيما تقدم وأما طواف الزيارة إذا فات عن أيام النحر فإنه يجوز في غيرها لكن يلزمه الدم في قول أبي حنيفة بالتأخير على ما مر وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة كذا روى عن جماعة من الصحابة رضي الله عنه م منهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم وكذا روى عن جماعة من التابعين مثل الشعبي ومجاهد وإبراهيم وينبنى أيضا على معرفة أشهر الحج الاحرام بالحج قبل أشهر الحج وقد ذكرنا