أبي بكر الكاشاني

203

بدائع الصنائع

والشافعي نظر إلى المحل فقال المحل وهو المقتول متحد فلا يجب الا ضمان واحد وأصحابنا نظروا إلى الفعل فقالوا الفعل متعدد فيتعدد الجزاء ونظرنا أقوى لان الواجب جزاء الفعل لان الله تعالى سماه جزاء بقوله فجزاء مثل ما قتل من النعم والجزاء يقابل الفعل لا المحل وكذا سمى الواجب كفارة بقوله عز وجل أو كفارة طعام مساكين والكفارة جزاء الجناية بخلاف الدية فإنها بدل المحل فتتحد باتحاد المحل وتتعدد بتعدده وهو الجواب عن صيد الحرم لان ضمانه يشبه ضمان الأموال لأنها تجب بالجناية على الحرم والحرم واحد فلا تجب الا قيمة واحدة ولو قتل صيدا معلما كالبازي والشاهين والصقر والحمام الذي يجئ من مواضع بعيدة ونحو ذلك يجب عليه قيمتان قيمته معلما لصاحبه بالغة ما بلغت وقيمته غير معلم حقا لله لأنه جنى على حقين حق الله تعالى وحق العبد والتعليم وصف مرغوب فيه في حق العباد لأنهم ينتفعون بذلك والله عز وجل يتعالى عن أن ينتفع بشئ ولأن الضمان الذي هو حق الله تعالى يتعلق بكونه صيدا وكونه معلما وصف زائد على كونه صيدا فلا يعتبر ذلك في وجوب الجزاء وقد قالوا في الحمامة المصوتة انه يضمن قيمتها مصوتة في رواية وفى رواية غير مصوتة وجه الرواية الأولى ان كونها مصوتة من باب الحسن والملاحة والصيد مضمون بذلك كما لو قتل صيدا حسنا مليحا له زيادة قيمة تجب قيمته على تلك الصفة وكما لو قتل حمامة مطوقة أو فاختة مطوقة وجه الرواية الأخرى على نحو ما ذكرنا ان كونها مصوتة لا يرجع إلى كونه صيدا فلا يلزم المحرم ضمان ذلك وهذا يشكل بالمطوقة والصيد الحسن المليح ولو أخذ بيض صيد فشواه أو كسره فعليه قيمته يتصدق به لما روى عن الصحابة رضي الله عنهم انهم حكموا في بيض النعامة بقيمته ولأنه أصل الصيد إذ الصيد يتولد منه فيعطى له حكم الصيد احتياطا فان شوى بيضا أو جرادا فضمنه لا يحرم أكله ولو أكله أو غيره حلالا كان أو محرما لا يلزمه شئ بخلاف الصيد الذي قتله المحرم انه لا يحل أكله ولو أكل المحرم الصائد منه بعدما أدى جزاءه يلزمه قيمة ما أكل في قول أبي حنيفة لان الحرمة هناك لكونه ميتة لعدم الذكاة لخروجه عن أهلية الذكاة والحرمة ههنا ليست لمكان كونه ميتة لأنه لا يحتاج إلى الذكاة فصار كالمجوسي إذا شوى بيضا أو جرادا انه يحل أكله كذا هذا فان كسر البيض فخرج منه فرخ ميت فعليه قيمته حيا يؤخذ فيه بالثقة وقال مالك عليه نصف عشر قيمته واعتبره بالجنين لان ضمانه ضمان الجنايات وفى الجنين نصف عشر قيمته كذا فيه ولنا ان الفرخ صيد لأنه يفرض أن يصير صيدا فيعطى له حكم الصيد ويحتمل انه مات بكسره ويحتمل انه كان ميتا قبل ذلك وضمان الصيد يؤخذ فيه بالاحتياط لأنه وجب حقا لله تعالى وحقوق الله تعالى يحتاط في ايجابها وكذلك إذا ضرب بطن ظبية فألقت جنينا ثم ماتت الظبية فعليه قيمتهما يؤخذ في ذلك كله بالثقة اما قيمة الام فلانه قتلها وأما قيمة الجنين فلانه يحتمل انه مات بفعله ويحتمل انه كان ميتا فيحكم بالضمان احتياطا فان قتل ظبية حاملا فعليه قيمتها حاملا لان الحمل يجرى مجرى صفاتها وحسنها وملاحتها وسمنها والصيد مضمون بأوصافه ولو حلب صيدا فعليه ما نقصه الحلب لان اللبن جزء من أجزاء الصيد فإذا نقصه الحلب يضمن كما لو أتلف جزأ من أجزائه كالصيد المملوك وأما إذا قتل الصيد تسببا فإن كان متعديا في التسبب يضمن والا فلا بيان ذلك أنه إذا نصب شبكة فتعقل به صيد ومات أو حفر حفيرة للصيد فوقع فيها فعطب يضمن لأنه متعد في التسبب ولو ضرب فسطاطا لنفسه فتعقل به صيد فمات أو حفر حفيرة للماء أو للخبز فوقع فيها صيد فمات لا شئ عليه لان ذلك مباح له فلم يكن متعديا في التسبب وهذا كمن حفر بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها انسان أو بهيمة ومات يضمن ولو كان الحفر في دار نفسه فوقع فيها انسان لا يضمن لأنه في الأول متعديا لتسبب وفى الثاني لا كذا هذا ولو أعان محرم محرما أو حلالا على صيد ضمن لان الإعانة على الصيد تسبب إلى قتله وهو متعد في هذا التسبب لأنه تعاون على الاثم والعدوان وقد قال الله تعالى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ولو دل عليه أو أشار إليه فإن كان المدلول يرى الصيد أو يعلم به من غير دلالة أو إشارة فلا شئ على الدال لأنه إذا كان يراه أو يعلم به من غير دلالته فلا أثر لدلالنه في تفويت الامن على الصيد فلم تقع الدلالة تسببا الا انه يكره ذلك فقتله