أبي بكر الكاشاني
201
بدائع الصنائع
يجوز للقاتل أن يأكل شيئا من لحم الهدى ولو أكل شيئا منه فعليه قيمة ما أكل ولا يجوز دفعه ودفع الطعام إلى ولده وولد ولده وان سفلوا ولا إلى والده ووالد والده وان علوا كما لا تجوز الزكاة ويجوز دفعه إلى أهل الذمة في قول أبي حنيفة ومحمد ولا يجوز في قول أبى يوسف كما في صدقة الفطر والصدقة المنذور بها على ما ذكرنا في كتاب الزكاة وان اختار الصيام اشترى بقيمة الصيد طعاما وصام لكل نصف صاع من بر يوما عندنا وهو قول ابن عباس وجماعة من التابعين مثل إبراهيم وعطاء ومجاهد وقال الشافعي يصوم لكل مد يوما والصحيح قولنا لما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال يصوم عن كل نصف صاع يوما ومثل هذا لا يعرف بالاجتهاد فتعين السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فان فضل من الطعام أقل من نصف صاع فهو بالخيار ان شاء تصدق به وان شاء صام عنه يوما لان صوم بعض يوم لا يجوز ويجوز الصوم في الأيام كلها بلا خلاف ويجوز متتابعا ومتفرقا لقوله تعالى أو عدل ذلك صياما مطلقا عن المكان وصفة التتابع والتفرق وسواء كان الصيد مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه عندنا بعد إن كان محرما والاصطياد على المحرم كالضبع والثعلب وسباع الطير وينظر إلى قيمته لو كان مأكول اللحم لعموم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم غير أنه لا يجاوز به دما في ظاهر الرواية وذكر الكرخي أنه لا يبلغ دما بل ينقص من ذلك بخلاف مأكول اللحم فإنه تجب قيمته بالغة ما بلغت وان بلغت قيمته هديين أو أكثر وقال زفر تجب قيمته بالغة ما بلغت كما في مأكول اللحم وجه قوله أن هذا المصيد مضمون بالقيمة والمضمون بالقيمة يعتبر كمال قيمته كالمأكول ولنا أن هذا المضمون إنما يجب بقتله من حيث إنه صيد ومن حيث إنه صيد لا تزيد قيمة لحمه على لحم الشاة بحال بل لحم الشاة يكون خيرا منه بكثير فلا يجاوز به دما بل ينقص منه كما ذكره الكرخي ولأنه جزاء وجب باتلاف ما ليس بمال فلا يجاوز به دما كحلق الشعر وقص الأظفار وقد خرج الجواب عما ذكره زفر ويستوى في وجوب الجزاء بقتل الصيد المبتدئ والعائد وهو ان يقتل صيدا ثم يعود ويقتل آخر وثم وثم أنه يجب لكل صيد جزاء على حدة وهذا قول عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم وعن ابن عباس أنه لا جزاء على العائد وهو قول الحسن وشريح وإبراهيم واحتجوا بقوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه جعل جزاء العائد الانتقام في الآخرة فتنتفي الكفارة في الدنيا ولنا ان قوله تعالي ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من العم يتناول القتل في كل مرة فيقتضى وجوب الجزاء في كل مرة كما في قوله تعالي ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ونحو ذلك وأما قوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه فيه ان الله تعالى ينتقم من العائد وليس فيه ان ينتقم منه بماذا فيحتمل انه ينتقم منه بالكفارة كذا قال بعض أهل التأويل فينتقم الله منه بالكفارة في الدنيا أو بالعذاب في الآخرة على أن الوعيد في الآخرة لا ينفى وجوب الجزاء في الدنيا كما أن الله تعالى جعل حد المحاربين لله ورسوله جزاء لهم في الدنيا بقوله إن ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا الآية ثم قال عز وجل في آخرها ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ومنهم من صرف تأويل الآية الكريمة إلى استحلال الصيد فقال الله عز وجل عفا الله عما سلف في الجاهلية من استحلالهم الصيد إذا تاب ورجع عما استحل من قتل الصيد ومن عاد إلى الاستحلال فينتقم الله منه بالنار في الآخرة وبه نقول هذا إذا لم يكن قتل الثاني والثالث على وجه الرفض والاحلال فاما إذا كان على وجه الرفض والاحلال لاحرامه فعليه جزاء واحد استحسانا والقياس ان يلزمه لكل واحد منهما دم لان الموجود ليس الا نية الرفض ونية الرفض لا يتعلق بها حكم لأنه لا يصير حلالا بذلك فكان وجودها والعدم بمنزلة واحدة الا انهم استحسنوا وقالوا لا يجب الا جزاء واحد لان الكل وقع على وجه واحد فأشبه الايلاجات في الجماع ويستوى فيه العمد والخطأ والذكر والنسيان عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم وعن ابن عباس رضي الله عنهما انه لا كفارة على الخاطئ وقال الشافعي لا كفارة على الخاطئ والناسي والكلام في المسألة بناء وابتداء أما البناء فما ذكرنا فيما تقدم ان الكفارة إنما تجب