أبي بكر الكاشاني

199

بدائع الصنائع

ذكر الصيد بالألف واللام بقوله عز وجل لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم والألف واللام لاستغراق الجنس خصوصا عند عدم المعهود ثم قال تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل والهاء كناية راجعة إلى الصيد الموجد من اللفظ المعرف بلام التعريف فقد أوجب سبحانه وتعالى بقتل الصيد مثلا يعم ماله نظير وما لا نظير له وذلك هو المثل من حيث المعنى وهو القيمة لا المثل من حيث الخلقة والصورة لان ذلك لا يجب في صيد لا نظير له بل الواجب فيه المثل من حيث المعنى وهو القيمة بلا خلاف فكان صرف المثل المذكور بقتل الصيد على العموم إليه تخصيصا لبعض ما تناوله عموم الآية والعمل بعموم اللفظ واجب ما أمكن ولا يجوز تخصيصه الا بدليل والثاني ان مطلق اسم المثل ينصرف إلى ما عرف مثلا في أصول الشرع والمثل المتعارف في أصول الشرع هو المثل من حيث الصورة والمعنى أو من حيث المعنى وهو القيمة كما في ضمان المتلفات فان من أتلف على آخر حنطة يلزمه حنطة ومن أتلف عليه عرضا تلزمه القيمة فاما المثل من حيث الصورة والهيئة فلا نظير له في أصول الشرع فعند الاطلاق ينصرف إلى المتعارف لا إلى غيره والثالث انه سبحانه وتعالى ذكر المثل منكرا في موضع الاثبات فيتناول واحدا وأنه اسم مشترك يقع على المثل من حيث المعنى ويقع على المثل من حيث الصورة فالمثل من حيث المعنى براد من الآية فيما لا نظير له فلا يكون الآخر مرادا إذ المشترك في موضع الاثبات لا عموم له والرابع ان الله تعالى ذكر عدالة الحكمين ومعلوم ان العدالة إنما تشترط فيما يحتاج فيه إلى النظر والتأمل وذلك في المثل من حيث المعنى وهو القيمة لان بها تحقق الصيانة عن الغلو والتقصر وتقرير الامر على الوسط فاما الصورة فمشابهة لا تفتقر إلى العدالة واما قوله تعالى من النعم فلا نسلم ان قوله تعالى من النعم خرج تفسيرا للمثل وبيانه من وجهين أحدهما ان قوله فجزاء مثل ما قتل كلام تام بنفسه مفيد بذاته من غير وصلة بغيره لكونه مبتدأ وخبرا وقوله من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة يمكن استعماله على غير وجه التفسير للمثل لأنه كما يرجع إلى الحكمين في تقويم الصيد المتلف يرجع إليهما في تقويم الهدى الذي يوجد بذلك القدر من القيمة فلا يجعل قوله مثل ما قتل مربوطا بقوله عز وجل من النعم مع استغناء الكلام عنه هذا هو الأصل الا إذا قام دليل زائد يوجب الربط بغيره والثاني أنه وصل قوله من النعم بقوله يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة وقوله عز وجل أو كفارة طعام مساكين وقوله عز وجل أو عدل ذلك صياما جعل الجزاء أحد الأشياء الثلاثة لأنه أدخل حرف التخيير بين الهدى والاطعام وبين الطعام والصيام فلو كان قوله من النعم تفسيرا للمثل لكان الطعام والصيام مثلا لدخول حرف أو بينهما وبين النعم إذ لا فرق بين التقديم والتأخير في الذكر بأن قال تعالى فجزاء مثل ما قتل طعاما أو صياما أو من النعم هديا لان التقديم في التلاوة لا يوجب التقديم في المعنى ولما لم يكن الطعام والصيام مثلا للمقتول دل أن ذكر النعم لم يخرج مخرج التفسير للمثل بل هو كلام مبتدأ غير موصول المراد بالأول وقول جماعة الصحابة رضي الله عنهم محمول على الايجاب من حيث القيمة توفيقا بين الدلائل مع ما ان المسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم روى عن ابن عباس مثل مذهب أبي حنيفة وأبى يوسف فلا يحتج بقول البعض على البعض وعلى هذا ينبنى اعتبار مكان الإصابة في التقويم عندهما لان الواجب على القائل القيمة وانها تختلف باختلاف المكان وعند محمد والشافعي الواجب هو النظير اما بحكم الحكمين أو ابتداء فلا يعتبر فيه المكان وقال الشافعي يقوم بمكة أو بمنى وانه غير سديد لان العبرة في قيم المستهلكات في أصول الشرع مواضع الاستهلاك كما في استهلاك سائر الأموال ومنها أن الطعام بدل عن الصيد عندنا فيقوم الصيد بالدراهم ويشترى بالدراهم طعاما وهو مذهب ابن عباس وجماعة من التابعين وعن ابن عباس رواية أخرى أن الطعام بدل عن الهدى فيقوى الهدى بالدراهم ثم يشترى بقيمة الهدى طعاما وهو قول الشافعي والصحيح قولنا لان الله تعالى جعل جميع ذلك جزاء الصيد بقوله عز وجل فجزاء مثل ما قتل من النعم إلى قوله أو كفارة طعام مساكين فلما كان الهدى من حيث كونه جزاء معتبرا بالصيد اما في قيمته أو نظيره على اختلاف القولين كان الطعام مثله ولان فيما لا مثل له من النعم اعتبار الطعام بقيمة الصيد