أبي بكر الكاشاني

157

بدائع الصنائع

ما فاتته إذ ليس لها وقت معين فيأتي بها فيطوف ويسعى كما كان يفعل لو لم يفته الحج وإنما فاته فيفعل ما يفعله فائت الحج وهو ان يتحلل بأفعال العمرة وهي الطواف والسعي كالمقيم فيقطع التلبية إذا أخذ في طواف الحج والمحصر يقطع التلبية إذا ذبح عنه هديه لأنه إذا ذبح هديه فقد تحلل ولا تلبية بعد التحلل فان حلق الحاج قبل إن يرمى جمرة العقبة يقطع التلبية لأنه بالحلق تحلل من الاحرام لما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن حلق قبل الرمي ارم ولا حرج فثبت أن التحلل من الاحرام يحصل بالحلق قبل الرمي ولا تلبية بعد التحلل فان زار البيت قبل ان يرمى ويحلق ويذبح قطع التلبية في قول أبي حنيفة وروى عن أبي يوسف انه يلبى ما لم يحلق أو تزول الشمس من يوم النحر وعن محمد ثلاث روايات في رواية مثل قول أبي حنيفة وروى هشام عنه وروى ابن سماعة عنه أن من لم يرم قطع التلبية إذا غربت الشمس من يوم النحر وروى هشام عنه رواية أخرى انه يقطع التلبية إذا مضت أيام النحر فظاهر روايته مع أبي حنيفة وجه قول أبى يوسف انه وان طاف فاحرامه قائم لم يتحلل بهذا الطواف إذا لم يحلق بدليل انه لا يباح له الطيب واللبس فالتحق الطواف بالعدم وصار كأنه لم يطف فلا يقطع التلبية الا إذا زالت الشمس لان من أصله ان هذا الرمي مؤقت بالزوال فإذا زالت الشمس يفوت وقته ويفعل بعده قضاء فصار فواته عن وقته بمنزلة فعله في وقته وعند فعله في وقته يقطع التلبية كذا عند فواته عن وقته بخلاف ما إذا حلق قبل الرمي لأنه تحلل بالحق وخرج عن احرامه حتى يباح له الطيب واللبس لذلك افترقا ولهما أن الطواف وإن كان قبل الرمي والحلق والذبح فقد وقع التحلل به في حق النساء بدليل انه لو جامع بعده لا يلزمه بدنة فكان التحلل بالطواف كالتحلل بالحلق فيقطع التلبية به كما يقطع بالحلق وقد خرج الجواب عن قوله إن احرامه قائم بعد الطواف لأنا نقول نعم لكن في حق الطيب واللبس لا في حق النساء فلم يكن قائما مطلقا والتلبية لم تشرع الا في الاحرام المطلق ولو ذبح قبل الرمي يقطع التلبية في قول أبي حنيفة إذا كان قارنا أو متمتعا وهو احدى الروايتين عن محمد وإن كان مفردا بالحج لا يقطع لان الذبح من القارن والمتمتع محلل كالحلق ولا تلبية بعد التحلل فاما المفرد فتحلله لا يقف على ذبحه الا ترى انه ليس بواجب عليه فلا يقطع عنده التلبية وروى ابن سماعة عن محمد انه لا يقطع التلبية والتحلل لا يقع بالذبح على هذه الرواية عنده وإنما يقع بالرمي أو بالحلق ويرمى سبع حصيات مثل حصى الخزف لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما ائتني بسبع حصيات مثل حصى الخزف فاتاه بهن فجعل يقلبهن بيده ويقول مثلهن بمثلهن لا تغلوا فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين وقد قالوا لا يزيد على ذلك لما روى عن معاذ رضي الله عنه أنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وعلمنا المناسك وقال ارموا سبع حصيات مثل حصى الخزف ووضع احدى سبابتيه على الأخرى كأنه يخذف ولأنه لو كان أكبر من ذلك فلا يؤمن أن يصيب غيره لازدحام الناس فيتأذى به ويرمى من بطن الوادي ويكبر مع كل حصاة يرميها لما روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه رمى جمرة العقبة سبع حصيات من بطن الوادي يكبر مع كل حصاة يرميها فقيل له ان ناسا يرمون من فوقها فقال عبد الله رضي الله عنه هذا والذي لا اله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة وكذا روى عن ابن عمر رضي الله عنهما انه كان يرمى جمرة العقبة بسبع حصيات يتبع كل حصاة بتكبيرة ويقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وعن ابنه سالم بن عبد الله انه استبطن الوادي فرمى الجمرة سبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وعملا مشكورا وقال حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمى جمرة العقبة من هذا المكان ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت وان رمى من فوق العقبة أجزأه لكن السنة ما ذكرنا وكذا لو جعل بدل التكبير تسبيحا أو تهليلا جاز ولا يكون مسيئا وقد قالوا إذا رمى للعقبة يجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه ويقوم فيها حيث يرى موقع حصاه لما روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه وبأي شئ رمى أجزأه حجرا كان أو طينا أو غيرهما مما هو من جنس الأرض وهذا عندنا