أبي بكر الكاشاني
155
بدائع الصنائع
بأذانين وإقامة واحدة احتج زفر بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بمزدلفة بإقامتين ولان هذا أحد نوعي الجمع فيعتبر بالنوع الآخر وهو الجمع بعرفة والجمع هناك بأذان واحد وإقامتين كذا ههنا ولنا ما روى عن عبد الله بن عمر وخزيمة بن ثابت رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذان واحد وإقامة واحدة وما احتج به زفر محمول على الأذان والإقامة فيسمى الاذان إقامة كما يقال سنة العمرين ويراد به سنة أبى بكر وعمر رضي الله عنهما وقال صلى الله عليه وسلم بين كل أذانين صلاة لمن شاء الا المغرب وأراد به الأذان والإقامة كذا ههنا والقياس على الجمع الا آخر غير سديد لان هناك الصلاة الثانية وهي العصر تؤدى في غير وقتها فتقع الحاجة إلى إقامة أخرى للاعلام بالشروع فيها والصلاة الثانية ههنا وهي العشاء تؤدى في وقتها فيستغنى عن تجديد الاعلام كالوتر مع العشاء ولا يتشاغل بينهما بتطوع ولا بغيره لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يتشاغل بينهما بتطوع ولا بغيره فان تطوع بينهما أو تشاغل بشئ أعاد الإقامة للعشاء لأنها انقطعت عن الاعلام الأول فاحتاجت إلى اعلام آخر فان صلى المغرب وحده والعشاء وحده أجزأه بخلاف الظهر والعصر بعرفة على قول أبي حنيفة أنه لا يجوز الا بجماعة عنده والفرق له أن المغرب تؤدى فيما هو وقتها في الجملة ان لم يكن وقت أدائها فكان الجمع ههنا بتأخير المغرب عن وقت أدائها فيجوز فعلها وحده كما لو تأخرت عنه بسبب آخر فقضاه في وقت العشاء وحده والعصر هناك تؤدى فيما ليس وقتها أصلا ورأسا فلا يجوز إذ لا جواز للصلاة قبل وقتها وإنما عرفنا جوازها بالشرع وإنما ورد الشرع بها بجماعة فيتبع مورد الشرع والأفضل أن يصليهما مع الامام بجماعة لان الصلاة بجماعة أفضل ولو صلى المغرب بعد غروب الشمس قبل أن يأتي مزدلفة فإن كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل طلوع الفجر لم تجز صلاته وعليه اعادتها ما لم يطلع الفجر في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن وقال أبو يوسف تجزئه وقد أساء وعلى هذا الخلاف إذا صلى العشاء في الطريق بعد دخول وقتها وجه قوله أنه أدى المغرب والعشاء في وقتيهما لأنه ثبت كون هذا الوقت وقتا لهما بالكتاب العزيز والسنن المشهورة المطلقة عن المكان على ما ذكرنا في كتاب الصلاة فيجوز كما لو أداها في غير ليلة المزدلفة الا أن التأخير سنة وترك السنة لا يسلب الجواز بل يوجب الإساءة ولهما ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دفع من عرفات وكان أسامة بن زيد رضي الله عنه رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فلما بلغ الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا فقلت الصلاة يا رسول الله فقال الصلاة أمامك وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال المصلى امامك فجاء مزدلفة فتوضأ فاسبغ الوضوء فدل الحديث على اختصاص جوازها في حال الاختيار والامكان بزمان ومكان وهو وقت العشاء بمزدلفة ولم يوجد فلا يجوز ويؤمر بالإعادة في وقتها ومكانها ما دام الوقت قائما فإن لم يعد حتى طلع الفجر أعاد إلى الجواز عندهما أيضا لان الكتاب الكريم والسنن المشهورة تقتضي الجواز لأنها تقتضي كون الوقت وقتا لها وانها مطلقة عن المكان وحديث أسامة رضي الله عنه يقتضى عدم الجواز وانه من أخبار الآحاد ولا يجوز العمل بخبر الواحد على وجه يتضمن بطلان العمل بالكتاب والسنن المشهورة فيجمع بينهما فيعمل بخبر الواحد فيما قبل طلوع الفجر ويؤمر بالإعادة ويعمل بالكتاب العزيز والسنن المشهورة فيما بعد طلوعه فلا نأمره بالإعادة عملا بالدلائل بقدر الامكان هذا إذا كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل طلوع الفجر فاما إذا خشي أن يطلع الفجر قبل أن يصل إلى مزدلفة لأجل ضيق الوقت بأن كان في آخر الليل بحيث يطلع الفجر قبل أن يأتي مزدلفة فإنه يجوز بلا خلاف هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة لان بطلوع الفجر يفوت وقت الجمع فكان في تقديم الصلاة صيانتها عن الفوات فإن كان لا يخشى الفوات لأجل ضيق الوقت ولكنه ضل عن الطريق لا يصلى بل يؤخر إلى أن يخاف طلوع الفجر لو لم يصل فعند ذلك يصلى لما ذكرنا والله الموفق ويبيت ليلة المزدلفة بمزدلفة لان رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بها فان مر بها مارا بعد طلوع الفجر من غير أن يبيت بها فلا شئ عليه ويكون مسيئا وإنما لا يلزمه شئ لأنه