أبي بكر الكاشاني

134

بدائع الصنائع

تزاد في الكلام صلة كقوله تعالى ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك معناه أن تسجد فكان كالقراءة المشهورة في المعنى وأما الحديث فلا يصح تعلق الشافعي به على زعمه لأنه قال روت صفية بنت فلان فكانت مجهولة لا ندري من هي والعجب منه أنه يأبى مرة قبول المراسيل لتوهم الغلط ويحتج بقول امرأة لا تعرف ولا يذكر اسمها على أنه ان ثبت فلا حجة له فيه لان الكنية قد تذكر ويراد بها الحكم قال الله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله أي في حكم الله وقال عز وجل كتب الله عليكم أي حكم الله عليكم فان أريد بها الأول تكون حجة وان أريد بها الثاني لا تكون حجة لان حكم الله تعالى لا يقتصر على الفرضية بل الوجوب والانتداب والإباحة من حكم الله تعالى فلا يكون حجة مع الاحتمال أو نحملها على الوجوب دون الفرضية توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وإذا كان واجبا فان تركه لعذر فلا شئ عليه وان تركه لغير عذر لزمه دم لان هذا حكم ترك الواجب في هذا الباب أصله طواف الصدر وأصل ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف ورخص للحائض بخلاف الأركان فإنها لا تسقط بالعذر لان ركن الشئ ذاته فإذا لم يأت به فلم يوجد الشئ أصلا كأركان الصلاة بخلاف الواجب ولو ترك أربعة أشواط بغير عذر فعليه دم والأصل أن كل ما وجب في جميعه دم يجب في أكثره دم أصله طواف الصدر ورمى الجمار ولو ترك ثلاثة أشواط أطعم لكل شوط نصف صاع من بر مسكينا الا أن يبلغه ذلك دما فله الخيار والأصل في ذلك أن كل ما يكون في جميعه دم يكون في أقله صدقة لما نذكر إن شاء الله تعالى ولو ترك الصعود على الصفا والمروة يكره له ذلك ولا شئ عليه لان الصعود عليهما سنة فيكره تركه ولكن لو ترك لا شئ عليه كما لو ترك الرمل في الطواف * ( فصل ) * وأما قدره فسبعة أشواط لاجماع الأمة ولفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعد من الصفا إلى المروة شوطا ومن المروة إلى الصفا شوطا آخر كذا ذكر في الأصل وقال الطحاوي من الصفا إلى المروة ومن المروة إلى الصفا شوط واحد والصحيح ما ذكر في الأصل لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بينهما سبعة أشواط ولو كان كما ما ذكره الطحاوي لكان أربعة عشر شوطا والدليل على أن المذهب ما قلنا أن محمدا رحمه الله ذكر في الأصل فقال يبتدئ بالصفا ويختم بالمروة وعلى ما ذكره الطحاوي يقع الختم بالصفا لا بالمروة فدل أن مذهب أصحابنا ما ذكرنا * ( فصل ) * وأما ركنه فيكنونته بين الصفا والمروة سواء كان بفعل نفسه أو بفعل غيره عند عجزه عن السعي بنفسه بأن كان مغمى عليه أو مريضا فسعى به محمولا أو سعى راكبا لحصوله كائنا بين الصفا والمروة وإن كان قادرا على المشي بنفسه فحمل أو ركب يلزمه الدم لان السعي بنفسه عند القدرة على المشي واجب فإذا تركه فقد ترك الواجب من غير عذر فيلزمه الدم كما لو ترك المشي في الطواف من غير عذر * ( فصل ) * وأما شرائط جوازه فمنها أن يكون بعد الطواف أو بعد أكثره لان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل وقد قال صلى الله عليه وسلم خذوا عنى مناسككم ولان السعي تبع للطواف وتبع الشئ كاسمه وهو ان يتبعه فيما تقدمه لا يتبعه فلا يكون تبعا له الا انه يجوز بعد وجود أكثر الطواف قبل تمامه لان للأكثر حكم الكل ومنها البداية بالصفا والختم بالمروة في الرواية المشهورة حتى لو بدأ بالمروة ختم بالصفا لزمه إعادة شوط واحد وروى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ان ذلك ليس بشرط ولا شئ عليه لو بدأ بالمروة وجه هذه الرواية انه أتى بأصل السعي وإنما ترك الترتيب فلا تلزمه الإعادة كما لو توضأ في باب الصلاة وترك الترتيب ( ولنا ) ان الترتيب ههنا مأمور به لقول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله أما قوله فلما روى أنه لما نزل قوله عز وجل ان الصفا والمروة من شعائر الله قالوا بأيهما نبدأ يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم ابدؤا بما بدأ الله به وأما فعله صلى الله عليه وسلم فإنه بدأ بالصفا وختم بالمروة وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا موجبة لما تبين وإذا لزمت البداية بالصفا فإذا بدأ بالمروة إلى الصفا لا يعتد بذلك الشوط فإذا جاء من الصفا إلى المروة كان هذا أول شوط