أبي بكر الكاشاني
118
بدائع الصنائع
فات عن وقته المعين له بان نذر اعتكاف شهر بعينه انه إذا فات بعضه قضاء لا غير ولا يلزمه الاستقبال كما في الصوم وان فاته كله قضى الكل متتابعا لأنه لما لم يعتكف حتى مضى الوقت صار الاعتكاف دينا في ذمته فصار كأنه أنشأ النذر باعتكاف شهر بعينه فان قدر عن قضائه فلم يقضه حتى أيس من حياته يجب عليه أن يوصى بالفدية لكل يوم طعام مسكين لأجل الصوم لا لأجل الاعتكاف كما في قضاء رمضان والصوم المنذور في وقت بعينه وان قدر على البعض دون البعض فلم يعتكف فكذلك إن كان صحيحا وقت النذر فإن كان مريضا وقت النذر فذهب الوقت وهو مريض حتى مات فلا شئ عليه وان صح يوما فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في الصوم المنذور في وقت بعينه وإذا نذر اعتكاف شهر بغير بعينه فجميع العمر وقته كما في النذر بالصوم في وقت بغير بعينه وفى أي وقت أدى كان مؤديا لا قاضيا لان الايجاب حصل مطلقا عن الوقت وإنما يتضيق عليه الوجوب إذا أيس من حياته وعند ذلك يجب عليه ان يوصى بالفدية كما في قضاء رمضان والصوم المنذور المطلق فإن لم يوص حتى مات سقط عنه في أحكام الدنيا عندنا حتى لا تؤخذ من تركته ولا يجب على الورثة الفدية الا أن يتبرعوا به وعند الشافعي لا تسقط وتؤخذ من تركته وتعتبر من جميع المال والمسألة مضت في كتاب الزكاة والله الموفق * ( كتاب الحج ) * الكتاب يشتمل على فصلين فصل في الحج وفصل في العمرة أما فصل الحج فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان فرضية الحج وفي بيان كيفية فرضه وفي بيان شرائط الفرضية وفي بيان أركان الحج وفي بيان واجباته وفي بيان سننه وفي بيان الترتيب في أفعاله من الفرائض والواجبات والسنن وفي بيان شرائط أركانه وفي بيان ما يفسده وبيان حكمه إذا فسد وفي بيان ما يفوت الحج بعد الشروع فيه وفي بيان حكمه إذا فات عن عمره أصلا ورأسا أما الأول فالحج فريضة ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة واجماع الأمة والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا في الآية دليل وجوب الحج من وجهين أحدهما أنه قال ولله على الناس حج البيت وعلى كلمة ايجاب والثاني أنه قال تعالى ومن كفر قيل في التأويل ومن كفر بوجوب الحج حتى روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال أي ومن كفر بالحج فلم ير حجه برا ولا تركه مأثما وقوله تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام وأذن في الناس بالحج أي ادع الناس ونادهم إلى حج البيت وقيل أي اعلم الناس ان الله فرض عليهم الحج دليله قوله تعالى يأتوك رجالا وعلى كل ضامر وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم بنى الاسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وقوله صلى الله عليه وسلم اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيت ربكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من مات ولم يحج حجة الاسلام من غير أن يمنعه سلطان جائر أو مرض حابس أو عدو ظاهر فليمت ان شاء يهوديا وان شاء نصرانيا أو مجوسيا وروى أنه قال من ملك زاد أو راحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وأما الاجماع فلان الأمة أجمعت على فرضيته وأما المعقول فهو ان العبادات وجبت لحق العبودية أو لحق شكر النعمة إذ كل ذلك لازم في العقول وفى الحج اظهار العبودية وشكر النعمة أما اظهار العبودية فلان اظهار العبودية هو اظهار التذلل للمعبود وفى الحج ذلك لان الحاج في حال احرامه يظهر الشعث ويرفض أسباب التزين والارتفاق ويتصور بصورة عبد سخط عليه مولاه فيتعرض بسوء حاله لعطف مولاه ومرحمته إياه وفى حال وقوفه بعرفة بمنزلة عبد عصى مولاه فوقف بين يديه متضرعا حامدا له مثنيا عليه مستغفرا لزلاته مستقيلا لعثراته وبالطواف حول البيت يلازم المكان المنسوب إلى ربه بمنزلة عبد معتكف على باب مولاه لائذ بجنابه وأما شكر النعمة فلان العبادات بعضها بدنية وبعضها مالية والحج عبادة لا تقوم الا بالبدن والمال ولهذا لا يجب الا عند وجود المال وصحة البدن فكان فيه شكر النعمتين وشكر النعمة ليس الا استعمالها