أبي بكر الكاشاني
116
بدائع الصنائع
نزلت في قوم كانوا يعتكفون في المساجد وكانوا يخرجون يقضون حاجتهم في الجماع ثم يغتسلون ثم يرجعون إلى معتكفهم لا أنهم كانوا يجامعون في المساجد لينهوا عن ذلك بل المساجد في قلوبهم كانت أجل وأعظم من أن يجعلوها مكانا لوطئ نسائهم فثبت ان النهى عن المباشرة في حال الاعتكاف لأجل الاعتكاف فكان الجماع من محظورات الاعتكاف فيوجب فساده وسواء جامع ليلا أو نهارا لان النص مطلق فكان الجماع من محظورات الاعتكاف ليلا ونهارا وسواء كان عامدا أو ناسيا بخلاف الصوم فان جماع الناسي لا يفسد الصوم والنسيان لم يجعل عذرا في باب الاعتكاف وجعل عذرا في باب الصوم والفرق من وجهين أحدهما ان الأصل أن لا يكون عذرا لان فعل الناسي مقدورا لامتناع عنه في الجملة إذ الوقوع فيه لا يكون الا لنوع تقصير ولهذا كان النسيان جابر المؤاخذة عليه عندنا وإنما رفعت المؤاخذة ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ولهذا لم يجعل عذرا في باب الصلاة الا انه جعل عذرا في باب الصوم بالنص فيقتصر عليه والثاني ان المحرم في الاعتكاف عين الجماع فيستوي فيه العمد والسهو والمحرم في باب الصوم هو الافطار لا عين الجماع أو حرم الجماع لكونه افطارا لا لكونه جماعا فكانت حرمته لغيره وهو الافطار والافطار يختلف حكما بالعمد والنسيان ولو أكل أو شرب في النهار عامدا فسد صومه وفسد اعتكافه لفساد الصوم ولو أكل ناسيا لا يفسد اعتكافه لأنه لا يفسد صومه والأصل ان ما كان من محظورات الاعتكاف وهو ما منع عنه لأجل الاعتكاف لا لأجل الصوم يختلف فيه العمد والسهو والنهار والليل كالجماع والخروج من المسجد وما كان من محظورات الصوم وهو ما منع عنه لأجل الصوم يختلف فيه العمد والسهو والنهار والليل كالجماع والخروج من المسجد وكالأكل والشرب والفقه ما بينا ولو باشر فأنزل فسد اعتكافه لان المباشرة منصوص عليها في الآية وقد قيل في بعض وجوه التأويل ان المباشرة الجماع وما دونه ولان المباشرة مع الانزال في معنى الجماع فيلحق به وكذا لو جامع فيما دون الفرج فأنزل لما قلنا فإن لم ينزل لا يفسد اعتكافه لأنه بدون الانزال لا يكون في معنى الجماع لكنه يكون حراما وكذا التقبيل والمعانقة واللمس انه ان أنزل في شئ من ذلك فسد اعتكافه والا فلا يفسد لكنه يكون حراما بخلاف الصوم فان في باب الصوم لا تحرم الدواعي إذا كان يأمن على نفسه والفرق على نحو ما ذكرنا ان عين الجماع في باب الاعتكاف محرم وتحريم الشئ يكون تحريما لدواعيه لأنها تقضى إليه فلو لم تحرم لأدى إلى التناقض وأما في باب الصوم فعين الجماع ليس محرما إنما المحرم هو الافطار أو حرم الجماع لكونه افطارا وهذا لا يتعدى إلى الدواعي فهو الفرق ولو نظر فأنزل لم يفسد اعتكافه لانعدام الجماع صورة ومعنى فأشبه الاحتلام والله الموفق ولا يأتي الزوج امرأته وهي معتكفة إذا كانت اعتكفت باذن زوجها لان اعتكافها إذا كان باذن زوجها فإنه لا يملك الرجوع عنه لما بينا فيما تقدم فلا يجوز وطؤها لما فيه من افساد عبادتها ويفسد الاعتكاف بالردة لان الاعتكاف قربة والكافر ليس من أهل القربة ولهذا لم ينعقد مع الكفر فلا يبقى مع الكفر أيضا ونفس الاغماء لا يفسده بلا خلاف حتى لا ينقطع التتابع ولا يلزمه أن يستقبل الاعتكاف إذا أفاق وان أغمي عليه أياما أو أصابه لمم فسد اعتكافه وعليه إذا برأ أن يستقبل لأنه لزمه متتابعا وقد فاتت صفة التتابع فيلزمه الاستقبال كما في صوم كفارة الظهار فان تطاول الجنون وبقى سنين ثم أفاق هل يجب عليه أن يقضى أو يسقط عنه ففيه روايتان قياس واستحسان نذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى ولو سكر ليلا لا يفسد اعتكافه عندنا وعند الشافعي يفسد وجه قوله إن السكران كالمجنون والجنون يفسد الاعتكاف فكذا السكر ( ولنا ) ان السكر ليس الا معنى له أثر في العقل مدة يسيرة فلا يفسد الاعتكاف ولا يقطع التتابع كالاغماء ولو حاضت المرأة في حال الاعتكاف فسد اعتكافها لان الحيض ينافي أهلية الاعتكاف لمنافاتها الصوم ولهذا منعت من انعقاد الاعتكاف فتمنع من البقاء ولو احتلم المعتكف لا يفسد اعتكافه لأنه لا صنع له فيه فلم يكن جماعا ولا في معنى الجماع ثم إن أمكنه الاغتسال في المسجد من غير أن يتلوث المسجد فلا بأس به والا فيخرج فيغتسل ويعود إلى المسجد ولا بأس للمعتكف أن يبيع ويشترى ويتزوج ويراجع ويلبس ويتطيب ويدهن ويأكل ويشرب بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر ويتحدث ما بدا له بعد