أبي بكر الكاشاني
114
بدائع الصنائع
حرام أي مقيم عليه فسمى من أقام على العبادة في المسجد معتكفا وعاكفا وإذا عرف هذا فنقول لا يخرج المعتكف من معتكفه في الاعتكاف الواجب ليلا ولا نهارا الا لما لابد له منه من الغائط والبول وحضور الجمعة لان الاعتكاف لما كان لبثا وإقامة فالخروج يضاده ولا بقاء للشئ مع ما يضاده فكان ابطالا له وابطال العبادة حرام لقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم الا انا جوزنا له الخروج لحاجة الانسان إذ لابد منها وتعذر قضاؤها في المسجد فدعت الضرورة إلى الخروج ولان في الخروج لهذه الحاجة تحقيق هذه القربة لأنه لا يتمكن المرء من أداء هذه القربة الا بالبقاء ولا بقاء بدون القوت عادة ولابد لذلك من الاستفراغ على ما عليه مجرى العادة فكان الخروج لها من ضرورات الاعتكاف ووسائله وما كان من وسائل الشئ كان حكمه حكم ذلك الشئ فكان المعتكف في حال خروجه عن المسجد لهذه الحاجة كأنه في المسجد وقد روى عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج من معتكفه ليلا ولا نهارا الا لحاجة الانسان وكذا في الخروج في الجمعة ضرورة لأنها فرض عين ولا يمكن اقامتها في كل مسجد فيحتاج إلى الخروج إليها كما يحتاج إلى الخروج لحاجة الانسان فلم يكن الخروج إليها مبطلا لاعتكافه وهذا عندنا وقال الشافعي إذا خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه وجه قوله إن الخروج في الأصل مضاد للاعتكاف ومناف له لما ذكرنا انه قرار وإقامة والخروج انتقال وزوال فكان مبطلا له الا فيما لا يمكن التحرز عنه كحاجة الانسان وكان يمكنه التحرز عن الخروج إلى الجمعة بان يعتكف في المسجد الجامع ولنا ان إقامة الجمعة فرض لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله والامر بالسعي إلى الجمعة أمر بالخروج من المعتكف ولو كان الخروج إلى الجمعة مبطلا للاعتكاف لما أمر به لأنه يكون أمرا بابطال الاعتكاف وانه حرام ولان الجمعة لما كانت فرضا حقا لله تعالى عليه والاعتكاف قربة ليست هي عليه فمتى أوجبه على نفسه بالنذر لم يصح نذره في ابطال ما هو حق لله تعالى عليه بل كان نذره عدما في ابطال هذا الحق ولان الاعتكاف دون الجمعة فلا يؤذن بترك الجمعة لأجله وقد خرج الجواب عن قوله إن الاعتكاف لبث والخروج يبطله لما ذكرنا ان الخروج إلى الجمعة لا يبطله لما بينا واما وقت الخروج إلى الجمعة ومقدار ما يكون في المسجد الجامع فذكر الكرخي وقال ينبغي أن يخرج إلى الجمعة عند الاذان فيكون في المسجد مقدار ما يصلى قبلها أربعا وبعدها أربعا أو ستا وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة مقدار ما يصلى قبلها أربعا وبعدها أربعا وهو على الاختلاف في سنة الجمعة بعدها انها أربع في قول أبي حنيفة وعندهما ستة على ما ذكرنا في كتاب الصلاة وقال محمد إذا كان منزله بعيدا يخرج حين يرى أنه يبلغ المسجد عند النداء وهذا أمر يختلف بقرب المسجد وبعده فيخرج في أي وقت يرى أنه يدرك الصلاة والخطبة ويصلى قبل الخطبة أربع ركعات لان إباحة الخروج إلى الجمعة إباحة لها بتوابعها وسننها من توابعها بمنزلة الأذكار المسنونة فيها ولا ينبغي أن يقيم في المسجد الجامع بعد صلاة الجمعة الا مقدار ما يصلى بعدها أربعا أو ستا على الاختلاف ولو أقام يوما وليلة الا ينتقض اعتكافه لكن يكره له ذلك اما عدم الانتقاض فلان الجامع لما صلح لابتداء الاعتكاف فلان يصلح للبقاء أولى لان البقاء أسهل من الابتداء واما الكراهة فلانه لما ابتدأ الاعتكاف في مسجد فكأنه عينه للاعتكاف فيه فيكره له التحول عنه مع امكان الاتمام فيه ولا يخرج لعيادة مريض ولا لصلاة جنازة لأنه لا ضرورة إلى الخروج لان عيادة المريض ليست من الفرائض بل من الفضائل وصلاة الجنازة ليست بفرض عين بل فرض كفاية تسقط عنه بقيام الباقين بها فلا يجوز ابطال الاعتكاف لأجلها وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من الرخصة في عيادة المريض وصلاة الجنازة فقد قال أبو يوسف ذلك محمول عندنا على الاعتكاف الذي يتطوع به من غير ايجاب فله أن يخرج متى شاء ويجوز أن تحمل الرخصة على ما إذا كان خرج المعتكف لوجه مباح كحاجة الانسان أو للجمعة ثم عاد مريضا أو صلى على جنازة من غير أن كان خروجه لذلك قصدا وذلك جائز اما المرأة إذا اعتكفت في مسجد بيتها لا تخرج منه إلى منزلها الا لحاجة الانسان لان ذلك في حكم المسجد لها ما بينا فان خرج من المسجد الذي يعتكف فيه لعذر بان انهدم المسجد أو أخرجه السلطان مكرها أو غير السلطان