أبي بكر الكاشاني
111
بدائع الصنائع
غروب الشمس ولو نوى الليل دون النهار صحت نيته لأنه نوى حقيقة كلامه ولا يلزمه شئ لان الليل ليس وقتا للصوم والأصل في هذا ان الأيام إذا ذكرت بلفظ الجمع يدخل ما بإزائها من الليالي وكذا الليالي إذا ذكرت بلفظ الجمع يدخل ما بإزائها من الأيام لقوله تعالى في قصة زكريا عليه السلام ثلاثة أيام الا رمزا وقال عز وجل في موضع آخر ثلاث ليال سويا والقصة قصة واحدة فلما عبر في موضع باسم الأيام وفى موضع باسم الليالي دل ان المراد من كل واحد منهما هو وما بإزاء صاحبه حتى أن في الموضع الذي لم تكن الأيام فيه على عدد الليالي أفرد كل واحد منهما بالذكر قال الله تعالى سبع ليال وثمانية أيام حسوما وللآيتين حكم الجماعة ههنا لجريان العرف فيه كما في اسم الجمع على ما بينا ولو قال لله على أن اعتكف ثلاثين يوما ولا نية له فهو على الأيام والليالي متتابعا لكن التعيين إليه ولو قال نويت النهار دون الليل صحت نيته لأنه عنى به حقيقة كلامه دون ما نقل عنه بالعرف والعرف أيضا باستعمال هذه الحقيقة باق فيصح نيته ثم هو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق لان اللفظ مطلق عن قيد التتابع وكذا ذات الأيام لا تقتضي التتابع لتخلل ما ليس بمحل للاعتكاف بين كل يومين ولو قال عنيت الليالي دون النهار لم يعمل بنيته ولزمه الليل والنهار لأنه لما نص على الأيام فإذا قال نويت بها الليالي دون الأيام فقد نوى مالا يحتمله كلامه فلا يقبل قوله ولو قال لله على أن اعتكف ثلاثين ليلة وقال عنيت به الليالي دون النهار لا يلزمه شئ لأنه عنى به حقيقة كلامه والليالي في اللغة اسم للزمان الذي كانت الشمس فيه غائبة الا ان عند الاطلاق تتناول ما بإزائها من الأيام بالعرف فإذا عنى به حقيقة كلامه والعرف أيضا باستعمال هذه الحقيقة باق صحت نيته لمصادفتها محلها ولو قال لله على أن اعتكف شهرا يلزمه اعتكاف شهر أي شهر كان متتابعا في النهار والليالي جميعا سواء ذكر التتابع أو لا وتعيين ذلك الشهر إليه فيدخل المسجد قبل غروب الشمس فتغرب الشمس وهو فيه فيعتكف ثلاثين ليلة وثلاثين يوما ثم يخرج بعد استكمالها بعد غروب الشمس بخلاف ما إذا قال لله على أن أصوم شهرا ولم يعين ولم يذكر التتابع ولا نواه انه لا يلزمه التتابع بل هو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق وهذا الذي ذكرنا من لزوم التتابع في هذه المسائل مذهب أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا يلزمه التتابع في شئ من ذلك الا بذكر التتابع أو بالنية وهو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق وجه قوله إن اللفظ مطلق عن قيد التتابع ولم ينو التتابع أيضا فيجرى على اطلاقه كما في الصوم ولنا الفرق بينهما ووجه الفرق ان الاعتكاف عبادة دائمة ومبناها على الاتصال لأنه لبث وإقامة والليالي قابلة للبث فلا بد من التتابع وإن كان اللفظ مطلقا عن قيد التتابع لكن في لفظه ما يقتضيه وفى ذاته ما يوجبه بخلاف ما إذا نذر أن يصوم شهرا ولزمه أن يصوم شهرا غير معين انه إذا عين شهرا له ان يفرق لأنه أوجب مطلقا عن قيد التتابع وليس مبنى حصوله على التتابع بل على التفريق لان بين كل عبادتين منه وقتا لا يصلح لها وهو الليل فلم يوجد فيه قيد التتابع ولا اقتضاء لفظه وتعيينه فبقي له الخيار ولهذا لم يلزم التتابع فيما لم يتقيد بالتتابع من الصيام المذكور في الكتاب كذا هذا ولو نوى في قوله لله على أن اعتكف شهرا النهار دون الليل لم تصح نيته ويلزمه الاعتكاف شهرا بالأيام والليالي جميعا لان الشهر اسم لزمان مقدر بثلاثين يوما وليلة مركب من شيئين مختلفين كل واحد منهما أصل في نفسه كالبلق فإذا أراد أحدهما فقد أراد بالاسم ما لم يوضع له ولا احتمله فبطل كمن ذكر البلق وعنى به البياض دون السواد فلم تصادف النية محلها فلغت وهذا بخلاف اسم الخاتم فإنه اسم للحلقة بطريق الأصالة والفص كالتابع لها لأنه مركب فيها زينة لها فكان كالوصف لها فجاز ان يذكر الخاتم ويراد به الحلقة فاما ههنا فكل واحد من الزمانين أصل فلم ينطلق الاسم على أحدهما بخلاف ما إذا قال لله على أن أصوم شهرا حيث انصرف إلى النهار دون الليالي لان هناك أيضا لا نقول إن اسم الشهر تناول النهار دون الليالي لما ذكرنا من الاستحالة بل تناول النهار والليالي جميعا فكان مضيفا النذر بالصوم إلى الليالي والنهار جميعا معا غير أن الليالي ليست محلا لإضافة النذر بالصوم إليها فلم تصادف النية محلها فلغا ذكر الليالي والنهار محل لذلك فصحت الإضافة إليها على الأصل المعهود ان التصرف المصادف لمحله يصح والمصادف لغير محله يلغو فاما في الاعتكاف فكل واحد منهما محل ولو قال لله