الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
142
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
ولا ينافي ذلك - أيضا - تعجّب سارة حين وقوع البشارة بقولها : أَأَلِدُ وأَنَا عَجُوزٌ لجواز ظنّها حينئذ كون الولد واستبشارها به ، وإن لم يكن ظنّها موافقا للواقع . « قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ » : تعجّب من أنّ يولد له مع مسّ الكبر إيّاه ، وإنكار لأن يبشّر به في مثل هذه الحال ، وكذلك قوله : « فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ( 54 ) » ، أي : فبأيّ أعجوبة تبشّروني . أو فبأيّ شيء تبشّروني ، فإنّ البشارة ممّا لا يتصوّر وقوعه عادة بغير شيء . وقرأ ( 1 ) ابن كثير ، بكسر النّون مشدّدة ، في كلّ القرآن ، على إدغام نون الجمع في نون الوقاية . ونافع ، بكسرها مخفّفة ، على حذف نون الجمع استثقالا ، لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء . « قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ » ، أي : بما يكون لا محالة . أو باليقين الَّذي لا لبس فيه . أو بطريقة هي حقّ ، وهو قول اللَّه وأمره . « فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ( 55 ) » : من الآيسين من ذلك ، فإنّه - تعالى - قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين ، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر . وكان استعجاب إبراهيم - عليه السّلام - باعتبار العادة دون القدرة ، ولذلك « قالَ ومَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ( 56 ) » ، أي : المخطئون طريق المعرفة ، فلا يعرفون سعة رحمه اللَّه - تعالى - وكمال علمه وقدرته ، كما قال : لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ . وقرأ ( 2 ) أبو عمرو والكسائيّ « يقنط » بالكسر . وقرئ ( 3 ) ، بالضّمّ ، وماضيهما « قنط » بالفتح . وفي تفسير العيّاشي ( 4 ) : عن صفّوان الجمال قال : صلَّيت خلف أبي عبد اللَّه - عليه السّلام - فأطرق ، ثمّ قال : اللَّهم ( 5 ) ، لا تقنطني من رحمتك . ثمّ قال : « ومَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ » . وفي كتاب التّوحيد ( 6 ) ، بإسناده إلى معاذ بن جبل ، حديث طويل : عن النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - يقول فيه : قال اللَّه : يا ابن آدم ، بإحساني إليك قويت على
--> 1 - أنوار التنزيل 1 / 543 . 2 و 3 - أنوار التنزيل 1 / 544 . 4 - تفسير العياشي 2 / 247 ، ح 27 . 5 - كذا في ب ، المصدر . وفي النسخ : اللَّه . 6 - التوحيد / 344 ، ح 13 .