الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

480

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

« يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ » ، أي : بليّة ، كقحط . « يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ » : يطَّيّروا بك . ويقولون : إن هي إلَّا بشؤمك ، كما قالت اليهود حين دخل محمّد - عليه السّلام - المدينة : نقصت ثمارها وغلت أسعارها . « قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » : يبسط ويقبض ، حسب إرادته . « فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ( 78 ) » : يوعظون به ، وهو القرآن . فإنهم لو فهموه وتدبّروا معانيه لعلموا أنّ الكلّ من اللَّه . أو حديثا ما ، كبهائم لا إفهام لها . أو حادثا من صروف الزّمان ، فيتفكّروا فيها ، فيعلموا أنّه الباسط والقابض . « ما أَصابَكَ » : يا إنسان : « مِنْ حَسَنَةٍ » : من نعمة . « فَمِنَ اللَّهِ » : تفضّلا ، فإنّ كلّ ما يفعله الإنسان من عبادة فلا يكافئ صغرى نعمة من أياديه . « وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ » : من بليّة . « فَمِنْ نَفْسِكَ » : لأنّها السّبب فيها ، لاستجلابها بالمعاصي . وهو لا ينافي قوله : « قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » فإنّ الكلّ منه إيجادا وإيصالا ، غير أنّ الحسنة إحسان وامتنان ، والسّيئة مجازاة وانتقام . قال اللَّه : ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . . ( 1 ) وفي تفسير عليّ بن إبراهيم ( 2 ) : عن الصّادقين - عليهم السّلام - أنّهم قالوا :

--> 1 - نفس المصدر والموضع . 2 - الحديث هنا فيه اختلاف كثير وفي المصدر موجود هكذا ( ر . تفسير القمي 1 / 144 ) : عن الصادقين - عليهم السّلام - أنّهم قالوا : الحسنات في كتاب اللَّه على وجهين والسيّئات على وجهين . فمن الحسنات التي ذكرها اللَّه الصحة والسلامة والأمن والسعة والرزق . وقد سمّاها اللَّه الحسنات : « وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ » يعني بالسيّئة هاهنا المرض والخوف والجوع والشدّة يطيّروا بموسى ومن معه ، أي : يتشاءموا به . والوجه الثاني من الحسنات يعني به أفعال العباد وهو قوله [ الأنعام / 160 ] : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها » ومثله كثير وكذلك السيّئات على وجهين . فمن السيّئات الخوف والجوع والشدّة وهو ما ذكرناه في قوله [ الأعراف / 131 ] : « وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَنْ مَعَهُ » وعقوبات الذنوب فقد سمّاها اللَّه السيّئات . والوجه الثاني من السيّئات يعني بها أفعال العباد التي يعاقبون عليها فهو قوله [ النمل / 90 ] : « ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ » .