الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
157
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
ويجوز أن يكون « قَوْماً كَفَرُوا » على عمومه لقسمي الرّجال ، فيكون الاستثناء منقطعا ( 1 ) متّصلا . و « شهدوا » عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل ، أي : آمنوا وشهدوا . أو حال بإضمار « قد » من فاعل « كفروا » . قال البيضاويّ ( 2 ) : وهو على الوجهين ، دليل على أنّ الإقرار باللَّسان خارج عن حقيقة الإيمان . وفيه : أنّه يحتمل أن يكون في العطف أو جعله قيدا ، لكونه أهمّ أجزاء الإيمان ، وأنفع في ترتّب الآثار عليه . « واللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) » : الَّذين وضعوا الكفر موضع الإيمان ، بعد أن جاءهم البيّنات . ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بالعلَّيّة . وقيل ( 3 ) : الَّذين ظلموا أنفسهم ، بالإخلال بالنّظر ووضع الكفر موضع الإيمان ، فكيف من جاءه ( 4 ) الحقّ وعرفه ثمّ أعرض عنه ؟ « أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والْمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) » : فيه تصريح بوجوب لعن من كفر بعد الإيمان ، والعلم بحقيّة ( 5 ) الرّسول ومجئ البيّنات ، لأنّه تعالى قال : جزاؤهم هو لعن اللَّه والملائكة والنّاس . وإذا كان جزاؤهم ذلك ، وأخبر اللَّه بأنّ جزاءهم من الملائكة والنّاس ذلك ، لم يجز للملائكة والنّاس ترك ما جعله اللَّه جزاء شيء ، بل يجب عليهم الإتيان به . فهذا وإن لم يكن في صورة الأمر ، لكن يفيد بمادّته الوجوب . « خالِدِينَ فِيها » ، أي : في اللَّعنة . « لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) » « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » ، أي : بعد الارتداد ، « وأَصْلَحُوا » : ما أفسدوا ، أو دخلوا في الصّلاح ، « فَإِنَّ اللَّهً غَفُورٌ » : يقبل توبته ، « رَحِيمٌ ( 89 ) » : يتفضّل عليه . وفي مجمع البيان ( 6 ) قيل : نزلت الآيات في رجل من الأنصار ، يقال له : الحارث بن
--> 1 - ليس في أور . 2 - أنوار التنزيل 1 / 170 . 3 - نفس المصدر والموضع . 4 - المصدر : جاء 5 - ر : بحقيقة . 6 - مجمع البيان 1 / 471 .