الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

109

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

كان بين داود وعيسى بن مريم - عليهما السّلام - أربعمائة سنة ، وكان شريعة عيسى أنّه بعث بالتّوحيد والإخلاص ، وبما أوصى به نوح وإبراهيم وموسى ، وأنزل عليه الإنجيل ، وأخذ عليه الميثاق الَّذي أخذ على النّبيّين ، وشرّع له في الكتاب إقام الصّلاة مع الَّدين ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وتحريم الحرام وتحليل الحلال ، وأنزل عليه في الإنجيل مواعظ وأمثال وحدود ليس فيها قصاص ولا أحكام حدود ولا فرض مواريث ، وأنزل عليه تخفيف ما كان نزل على موسى في التّوراة ، وهو قول اللَّه في الَّذي قال عيسى بن مريم لبني إسرائيل : ولأحلّ لكم بعض الَّذي حرّم عليكم . وأمر عيسى من معه ممّن اتّبعه من المؤمنين ، أن يؤمنوا بشريعة ( 1 ) التّوراة والإنجيل . « وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهً وأَطِيعُونِ ( 50 ) » « إِنَّ اللَّهً رَبِّي ورَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 ) » : الظَّاهر أنّ قوله : قد « جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ » ، تكرير لما قبله ، أي : جئتكم بآية بعد أخرى ممّا ذكرت لكم . والأوّل ، لتمهيد الحّجة . والثّاني ، لتقريبها إلى الحكم . ولذلك رتّب عليه « بالفاء » . قوله : « فَاتَّقُوا اللَّهً » ، أي : أنّي جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة ، فاتّقوا اللَّه في المخالفة ، وأطيعوا لي فيما أدعوكم إليه ، ثمّ شرع في الدّعوة ، وأشار إليها بالقول المجمل ، فقال : « إِنَّ اللَّهً رَبِّي ورَبُّكُمْ » ، إشارة إلى استكمال القوّة النّظريّة بالاعتقاد الحقّ ، الَّذي غايته التّوحيد . وقال : « فَاعْبُدُوهُ » ، إشارة إلى استكمال القوّة العمليّة ، فإنّه بملازمة الطَّاعة ، الَّتي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي . ثمّ قرّر ذلك ، بأن بيّن أنّ الجمع بين الأمرين ، هو الطَّريق المشهود عليه بالاستقامة . وقيل ( 2 ) : معناه وجئتكم بآية أخرى ألهمنيها ربّكم ، وهو قوله : « إِنَّ اللَّهً رَبِّي ورَبُّكُمْ » ، فإنّه دعوة الحقّ المجمع عليه فيما بين الرّسل ، الفارقة بين النّبيّ والسّاحر . أو « جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ » ، على أن الله ربي وربكم . وقوله : « فَاتَّقُوا اللَّهً وأَطِيعُونِ » ، اعتراض .

--> 1 - هكذا في المصدر . وفي النسخ : لشريعة . 2 - أنوار التنزيل 1 / 164 .