الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
29
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم . وإنّما حملهم على ذلك اتّباع الهوى . وهذا أشنع من أن يقتلوه بشيء يعتقدونه ( 1 ) جرما حقّا باعتقادهم الفاسد . « ذلِكَ » ، أي : الكفر بالآيات وقتل الأنبياء ، صدر عنهم . « بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ( 61 ) » بسبب عصيانهم وتماديهم فيه . فإنّ التّمادي في ضعاف الذنوب ، يؤدّي إلى شدادها ، كما أنّ المواظبة على صغار الطَّاعات ، يؤدّي إلى تحرّي كبارها . قال صاحب الكشّاف ( 2 ) : كرّر الإشارة ، للدّلالة على أنّ ما لحقهم ، كما هو بسبب الكفر والقتل ، فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود اللَّه . وفيه نظر ( 3 ) . لأنّه لو كان التّكرير لذلك ، لكفى فيه أن يقول وبما عصوا . وقال : وعلى تقدير أن يكون ذلك إشارة إلى الكفر والقتل ، يجوز أن تكون « الباء » بمعنى مع ، أي : ذلك الكفر والقتل ، مع ما عصوا . والأحسن ما قرّرناه ، لرعاية اتّساق الكلام . وإنّما جوّزت الإشارة بالمفرد إلى شيئين ، على تأويل ما ذكر ، أو ما تقدّم ، للاختصار . ونظيره في الضّمير قول رؤبة : فيه خطوط من سواد وبلق * كأنّه في الجلد توليع البهق فإن قيل كيف يجوز التّخلية بين الكفّار وقتل الأنبياء ؟ أجيب بأنّه إنّما جاز ذلك ، لينال أنبياء اللَّه سبحانه من رفع المنازل والدّرجات ، ما لا ينالونه بغير القتل . قال الشّيخ الطَّبرسيّ ( 4 ) : وليس ذلك بخذلان لهم ، كما أنّ التّخلية بين المؤمنين والأولياء والمطيعين وبين قاتليهم ، ليست بخذلان لهم . ( هذا كلامه . ) والأجود التّفصيل ، بأنّه ليس بخذلان ، بمعنى إنزال العذاب وسوء عاقبة الدّار وغير ذلك مما ينبئ عن خذلان الآخرة وحرمان المثوبة . والمرويّ عن الحسن أنّ من ( 5 ) قتل من الأنبياء ، قد قتل بغير قتال . وأنّ اللَّه لم يأمر نبيّا بالقتال ، فقتل فيه . والمذكور في مجمع البيان ( 6 ) . « أنّ الصّحيح ، أنّ النّبيّ إن كان لم يؤدّ الشّرع الَّذي أمر بتأديته ، لم يجز أن يمكّن اللَّه سبحانه من قتله . لأنّه لو مكّن من ذلك ، لأدّى إلى أن يكون
--> 1 - أ : يعتقدوه . 2 - الكشاف 1 / 146 . 3 - أ : نظرا . 4 - مجمع البيان 1 / 125 . 5 - كذا في أ . وفي الأصل ور : ما 6 - مجمع البيان 1 / 125 .