الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

264

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

أي : خذه من أدنى مكان منك . ثم اتسع فيه ، واستعمل في انحطاط ، لا يكون في المكان . كقصر القامة - مثلا - ثم استعير منه ، للتفاوت في المراتب المعنوية ، تشبيها بالمراتب المحسوسة . وشاع استعماله أكثر من استعماله في الأصل . نحو ، زيد دون عمرو ، أي : في الشرف . ومنه ، الشيء الدون . ثم اتسع في هذا المستعار ، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد . وان لم يكن هناك ، تفاوت وانحطاط . فهو في هذا المعنى ، مجاز في المرتبة الثالثة . قال تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ( 1 ) ، أي : لا يتجاوز ولاية المؤمنين ، إلى ولاية الكافرين . وقال أمية : يا نفس ! مالك دون اللَّه من واق ، أي : إذا تجاوزت وقاية اللَّه ، فلا يقيك غيره . وهو بهذا المعنى ، قريب من أن يكون بمعنى « غير » كأنه أداة استثناء . والأحسن هنا ، أن يكون بمنزلة أداة استثناء . أو بمعنى ، أدنى مكان من شيء . فيستعار لمعنى قدام الشيء وبين يديه . وكلمة « من » ، إذا كان « دون » بمعنى القدام ( 2 ) ، تبعيضية . لأن الفعل ، يقع في بعض الجهة . وهو ظرف لغو معمول « لشهدائكم » ، إذ يكفيه رائحة الفعل . فلا حاجة إلى اعتماد ولا إلى تقدير يشهدوا . وإذا كان بمعنى ، أدنى مكان من شيء ، ابتدائية متعلقة « بادعوا » . وكذا ان كان بمعنى ، التجاوز عن حد إلى حد . لكنه ظرف مستقر ، وقع حالا . والعامل فيها « ادعوا » أو « شهدائكم » . وقد يقال : كلمة « من » الداخلة على « دون » ، في جميع مواضعها ، بمعنى ، في . كما في سائر الظروف غير المتصرفة ، أي : التي تكون منصوبة على الظرفية

--> 1 - آل عمران / 28 . 2 - أ : القدم .