أبي بكر الكاشاني

321

بدائع الصنائع

قتله سبع لانعدام تحقق الظلم ومنها ان لا يخلف عن نفسه بدلا هو مال حتى لو كان مقتولا خطأ أو شبه عمد بان قتله في المصر نهارا بعصا صغيرة أو سوط أو وكزه باليد أو لكزه بالرجل لا يكون شهيدا لان الواجب في هذه المواضع هو المال دون القصاص وذا دليل خفة الجناية فلم يكن في معنى شهداء أحد ولان غير السلاح مما يلبث فكان بحال لو استغاث لحقه الغوث فإذا لم يستغث جعل كأنه أعان على قتل نفسه بخلاف ما إذا قتل في المفازة بغير السلاح لان ذلك يوجب القتل بحكم قطع الطريق لا المال ولأنه لو استغاث لا يلحقه الغوث فلم يصر بترك الاستغاثة معينا على قتل نفسه وكذلك إذا قتله بعصا كبيرة أو بمدقة القصارين أو بحجر كبير أو بخشبة عظيمة أو خنقه أو غرقه في الماء أو ألقاه من شاهق الجبل عند أبي حنيفة لان هذا كله شبه عمد عنده فكان الواجب فيه الدية دون القصاص وعند أبي يوسف ومحمد الواجب هو القصاص فكان المقتول شهيدا ولو نزل عليه اللصوص ليلا في المصر فقتل بسلاح أو غيره أو قتله قطاع الطريق خارج المصر بسلاح أو غيره فهو شهيد لان القتيل لم يخلف في هذه المواضع بدلا هو مال ولو قتل في المصر نهارا بسلاح ظلما بان قتل بحديدة أو ما يشبه الحديدة كالنحاس والصفر وما أشبه ذلك أو ما يعمل عمل الحديد من جرح أو قطع أو طعن بأن قتله بزجاجة أو بليطة قصب أو طعنه برمح لازج له أو رماه بنشابة لا نصل لها أو أحرقه بالنار وفى الجملة كل قتل يتعلق به وجوب القصاص فالقتيل شهيد وقال الشافعي لا يكون شهيدا واحتج بما روى أن عمر وعليا غسلا ولان هذا قتيل أخلف بدلا وهو المال أو القصاص فما هو في معنى شهداء أحد كالقتل خطأ أو شبه عمد ولنا أن وجوب هذا البدل دليل انعدام الشبهة وتحقق الظلم من جميع الوجوه إذ لا يجب القصاص مع الشبهة فصار في معنى شهداء أحد بخلاف ما إذا اخلف بدلا هو مال لان ذلك امارة خفة الجناية لان المال لا يجب الا عند تحقق الشبهة في القتل فلم يكن في معنى شهداء أحد ولان الدية بدل عن المقتول فإذا وصل إليه البدل صار المبدل كالباقي من وجه لبقاء بدله فأوجب خللا في الشهادة فاما القصاص فليس ببدل عن المحل بل هو جزاء الفعل على طريق المساواة فلا يسقط به حكم الشهادة وإنما غسل عمر وعلي رضي الله عنه ما لأنهما ارتثا والارتثاث يمنع الشهادة على ما نذكر ولو وجد قتيل في محلة أو موضع يجب فيه القسامة والدية لم يكن شهيدا لما قلنا ولو وجب القصاص ثم انقلب مالا بالصلح لا تبطل شهادته لأنه لم يتبين انه أخلف بدلا هو مال وكذا الأب إذا قتل ابنه عمدا كان شهيدا لأنه أخلف القصاص ثم انقلب مالا وفائدة الوجوب شهادة المقتول ومنها ان لا يكون مرتثا في شهادته وهو ان لا يخلق شهادته مأخوذ من الثوب الرث وهو الخلق والأصل فيه ما روى أن عمر لما طعن حمل إلى بيته فعاش يومين ثم مات فغسل وكان شهيدا وكذا على حمل حيا بعد ما طعن ثم مات فغسل وكان شهيدا وعثمان أجهز عليه في مصرعه ولم يرتث فلم يغسل وسعد بن معاذ ارتث فقال النبي صلى الله عليه وسلم بادروا إلى غسل صاحبكم سعد كيلا تسبقنا الملائكة بغسله كما سبقتنا بغسل حنظلة ولان شهداء أحد ماتوا على مصارعهم ولم يرتثوا حتى روى أن الكاس كان يدار عليهم فلم يشربوا خوفا من نقصان الشهادة فإذا ارتث لم يكن في معنى شهداء أحد وهذا لأنه لما ارتث ونقل من مكانه يزيده النقل ضعفا ويوجب حدوث آلام لم تحدث لولا النقل والموت يحصل عقيب ترادف الآلام فيصير النفل مشاركا للجراحة في إثارة الموت ولو تم الموت بالنقل لسقط الغسل ولو تم بايلام سوى الجرح لا يسقط فلا يسقط بالشك ولان القتل لم يتمحض بالجرح بل حصل به وبغيره وهو النقل والجرح محظور والنقل مباح فلم يمت بسبب تمحض حراما فلم يصر في معنى شهداء أحد ثم المرتث من خرج عن صفة القتلى وصار إلي حال الدنيا بان جرى عليه شئ من أحكامها أو وصل إليه شئ من منافعها وإذا عرف هذا فنقول من حمل من المعركة حيا ثم مات في بيته أو على أيدي الرجال فهو مرتث وكذلك إذا أكل أو شرب أو باع أو ابتاع أو تكلم بكلام طويل أو قام من مكانه ذلك أو تحول من مكانه إلى مكان آخر وبقى على مكانه ذلك حيا يوما كاملا أو ليلة كاملة وهو يعقل فهو مرتث وروى عن أبي يوسف إذا بقي وقت صلاة كامل حتى صارت الصلاة دينا في ذمته وهو يعقل فهو مرتث وان بقي في مكانه لا يعقل فليس بمرتث وقال محمد ان بقي يوما فهو مرتث ولو أوصى