أبي بكر الكاشاني
181
بدائع الصنائع
بين ما إذا تلي السجدة بالعربية أو بالفارسية في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى حتى قال أبو حنيفة يلزمه السجود في الحالين وأما في حق السامع فان سمعها ممن يقرأ بالعربية فقالوا يلزمه بالاجماع فهم أو لم يفهم لان السبب قد وجد فيثبت حكمه ولا يقف على العلم اعتبارا بسائر الأسباب وان سمعها ممن يقرأ بالفارسية فكذلك عند أبي حنيفة بناء على أصله ان القراءة بالفارسية جائزة وقال أبو يوسف في الأمالي إن كان السامع يعلم أنه يقرأ القرآن فعليه السجدة والا فلا وهذا ليس بسديد لأنه ان جعل الفارسية قرآنا ينبغي ان يجب سواء فهم أو لم يفهم كما لو سمعها ممن يقرأ بالعربية وان لم يجعله قرآنا ينبغي أن لا يجب وان فهم ولو اجتمع سببا الوجوب وهما التلاوة والسماع بان تلا السجدة ثم سمعها أو سمعها ثم تلاها أو تكرر أحدهما فنقول الأصل ان السجدة لا يتكرر وجوبها الا بأحد أمور ثلاثة اما اختلاف المجلس أو التلاوة أو السماع حتى أن من تلا آية واحدة مرارا في مجلس واحد تكفيه سجدة واحدة والأصل فيه ما روى أن جبريل عليه السلام كان ينزل بالوحي فيقرأ آية السجدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسمع ويتلقن ثم يقرأ على أصحابه وكان لا يسجد الا مرة واحدة وروى عن أبي عبد الرحمن السلمي معلم الحسن والحسين رضي الله عنهم انه كان يعلم الآية مرارا وكان لا يزيد على سجدة واحدة والظاهر أن عليا رضي الله عنه كان عالما بذلك ولم ينكر عليه وروى عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه انه كان يكرر آية السجدة حين كان يعلم الصبيان وكان لا يسجد الا مرة واحدة ولان المجلس الواحد جامع للكلمات المتفرقة كما في الايجاب والقبول ولان في ايجاب السجدة في كل مرة ايقاع في الحرج لكون المعلمين مبتلين بتكرار الآية لتعليم الصبيان والحرج منفى بنص الكتاب ولان السجدة متعلقة بالتلاوة والمرة الأولى هي الحاصلة للتلاوة فاما التكرار فلم يكن لحق التلاوة بل للتحفظ أو للتدبر والتأمل في ذلك وكل ذلك من عمل القلب ولا تعلق لوجوب السجدة به فجعل الاجراء على اللسان الذي هو من ضرورة ما هو فعل القلب أو وسيلة إليه من أفعاله فالتحق بما هو فعل القلب وذلك ليس بسبب كذا علل الشيخ أبو منصور ( وأما ) الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بان ذكره أو سمع ذكره في مجلس واحد مرارا فلم يذكر في الكتب وذهب المتقدمون من أصحابنا إلى أنه يكفيه مرة واحدة قياسا على السجدة وقال بعض المتأخرين يصلى عليه في كل مرة لقوله صلى الله عليه وسلم لا تجفوني بعد موتى فقيل له وكيف نجفوك يا رسول الله فقال إن أذكر في موضع فلا يصلى على وبه تبين انه حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقوق العباد لا تتداخل وعلى هذا اختلفوا في تشميت العاطس ان من عطس وحمد الله تعالى في مجلس واحد مرارا فقال بعضهم ينبغي للسامع أن يشمت في كل مرة لأنه حق العاطس والأصح انه إذا زاد على الثلاث لا يشمته لما روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال للعاطس في مجلسه بعد الثلاث قم فانتثر فإنك مزكوم ( ثم ) لا فرق ههنا بين ما إذا تلا مرارا ثم سجد وبين ما إذا تلا وسجد ثم تلا بعد ذلك مرارا في مجلس واحد حتى لا يلزمه سجدة أخرى فرق بين هذا وبين ما إذا زنى مرارا انه لا يحد الا مرة واحدة ولو زنى مرة ثم حد ثم زنى مرة أخرى يحد ثانيا وكذا ثالثا ورابعا والفرق ان هناك تكرر السبب لمساواة كل فعل الأول في المأثم والقبح وفساد الفراش وكل معنى صار به الأول سببا الا انه لما أقيم عليه الحد جعل ذلك حكما لكل سبب فجعل بكماله حكما لهذا وحكما لذاك وجعل كان كل سبب ليس معه غيره في حق نفسه لحصول ما شرع له الحد وهو الزجر عن المعاودة في المستقبل فإذا وجد الزنا بعد ذلك انعقد سببا كالذي تقدم فلا بد من وجود حكمه بخلاف ما نحن فيه لان ههنا السبب هو التلاوة والمرة الأولى هي الحاصلة بحق التلاوة على ما مر فلم يتكرر السبب وهذا المعنى لا يتبدل بتخلل السجدة بينهما وعدم التخلل لحصول الثانية بحق التأمل والتحفظ في الحالين وكذا السامع لتلك التلاوات المتكررة لا يلزمه الا بالمرة الأولى لان ما وراءها في حقه جعل غير سبب بل تابعا للتأمل والحفظ لأنه في حقه يفيد المعنيين جميعا أعني الإعانة على الحفظ والتدبر بخلاف ما إذا سمع إنسان آخر المرة الثانية أو الثالثة أو الرابعة وذلك في حقه أول ما سمع حيث تلزمه السجدة لان ذلك في حقه سماع التلاوة لان كل مرة تلاوة حقيقة الا ان الحقيقة جعلت ساقطة