ابن حزم

4

جمهرة أنساب العرب

وصحّ أنّه بخلاف ما قال وأنه علم ينفع وجهل يضرّ . وقد أقدم قوم فنسبوا هذا القول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال علىّ : وهذا باطل ببرهانين : أحدهما : أنه لا يصح ( 1 ) من جهة النقل أصلا وما كان هكذا فحرام على كل ذي دين أن ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خوف أن يتبوأ مقعده من النار ، إذ تقوّل عليه ما لم يقل . والثاني : أنّ البرهان قد قام بما ذكرناه آنفا على أن علم النسب علم ينفع ، وجهل يضرّ في الدنيا والآخرة ، ولا يحلّ لمسلم أن ينسب الباطل المتيقّن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا من أكبر الكبائر . وفي الفقهاء من يفرّق في أخذ الجزية وفى الاسترقاق ، بين العرب [ وبين ] ( 2 ) العجم ، ويفرّق بين حكم نصارى بنى تغلب ، وبين حكم سائر أهل الكتاب في الجزية وإضعاف الصدقة فهؤلاء يتضاعف الفرض عندهم في الحاجة إلى علم النسب . وقد قصّ الله تعالى علينا في القرآن ولادات كثير من الأنبياء - عليهم السلام - وهذا علم نسب . وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتكلم في النسب فقال : « نحن بنو النضر بن كنانة » وذكر أفخاذ الأنصار - رضي الله عنهم - إذ فاضل بينهم . فقدم بنى النجّار ، ثم بنى عبد الأشهل ، ثمّ بنى الحارث بن الخزرج ، ثمّ بنى ساعدة ثمّ قال - عليه السلام - : « وفى كلّ دور الأنصار خير » . وذكر بنى تميم ، وبنى عامر بن صعصعة وغطفان . وأخبر - عليه السلام - أنّ مزينة ، وجهينة ، وأسلم ، وغفارا ، خير منهم يوم القيامة . وذكر بنى تميم وشدّتهم على الدّجّال ( 3 ) . وأخبر - عليه السلام - أن بنى العنبر بن عمرو بن تميم من ولد إسماعيل . ونسب الحبشة إلى أرفدة . ونادى قريشا بطنا بطنا ، إذ أنزل الله عليه : وأنذر عشيرتك الأقربين ( 4 ) ، وكلّ هذا علم نسب .

--> ( 1 ) أي لا يعتبره أهل الحديث صحيحا . ( 2 ) أي بين العرب والعجم . ( 3 ) انظر كتاب الإشاعة للشريف الحسيني . ( 4 ) سورة الشعراء الآية 213 .