كمال الدين دميري

82

حياة الحيوان الكبرى

يكتم السر وقد أجاد فيه : لي صديق غدا وإن كان لا ينطق إلا بغيبة أو محال أشبه الناس بالصّدى إن تحدّثه حديثا أعاده في الحال يقال : صم صداه وأصم اللَّه صداه أي أهلكه اللَّه لأن الرجل إذا مات لم يسمع الصدى منه شيئا ، فيجيبه . ومنه قول الحجاج لأنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه : إياك أعني أصم اللَّه صداك . روي عن علي بن زيد جدعان ، أن أنسا رضي اللَّه تعالى عنه ، دخل على الحجاج بن يوسف الثقفي الجائر المبير ، فقال له الحجاج : إيه يا خبيث شيخا جوالا في الفتن ، مع أبي تراب مرة ، ومع ابن الزبير أخرى ، ومع ابن الأشعث مرة ، ومع ابن الجارود أخرى ، أما واللَّه لأجردنك جرد الضب ، ولأقلعنك قلع الصمغة ، ولأعصبنك عصب السلمة « 1 » ، العجب من هؤلاء الأشرار ، أهل البخل والنفاق . فقال أنس رضي اللَّه تعالى عنه : من يعني الأمير ؟ فقال : إياك أعني ، أصم اللَّه صداك . قال علي بن زيد : فلما خرج أنس من عنده قال : أما واللَّه لولا ولدي لأجبته . ثم كتب إلى عبد الملك بن مروان بما كان من الحجاج إليه ، فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابا ، وأرسله مع إسماعيل بن عبد اللَّه بن أبي المهاجر ، مولى بني مخزوم ، فقدم على الحجاج وبدأ بأنس فقال له : إن أمير المؤمنين قد أكبر ما كان من الحجاج إليك ، وأعظم ذلك ، وأنا لك ناصح إن الحجاج لا يعدله عند أمير المؤمنين أحد ، وقد كتب إليه أن يأتيك ، وأنا أرى أن تأتيه فيعتذر إليك فتخرج من عنده وهو لك معظم ، وبحقك عارف . ثم أتى الحجاج ، فأعطاه كتاب عبد الملك ، فقرأه فتمعر وجهه ، وأقبل يمسح العرق عن وجهه ويقول : غفر اللَّه لأمير المؤمنين ، ما كنت أراه يبلغ مني هذا ! قال إسماعيل : ثم رمى بالكتاب إليّ وهو يظن أني قرأته ، ثم قال : اذهب بنا إليه ، يعني أنسا ، فقلت : لا بل يأتيك أصلحك اللَّه ! فأتيت أنسا رضي اللَّه تعالى عنه ، فقلت : اذهب بنا إلى الحجاج ، فأتاه فرحب به ، وقال : عجلت باللائمة يا أبا حمزة ، إن الذي كان مني إليك ، كان عن غير حقد ، ولكن أهل العراق لا يحبون أن يكون للَّه عليهم سلطان ، يقيم حجته ، ومع هذا ، فأنا أردت أن يعلم منافقو أهل العراق وفساقهم ، إني متى أقدمت عليك ، فهم علي أهون وأنا إليهم أسرع ، ولك عندنا العتبى حتى ترضى . فقال أنس : ما عجلت باللائمة حتى تناولت مني العامة دون الخاصة ، وحتى شمت بنا الأشرار وقد سمانا اللَّه الأنصار ، وزعمت أنا أهل بخل ، ونحن المؤثرون على أنفسهم ، وزعمت أنا أهل نفاق ونحن الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبل ، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة لأهل العراق ، باستحلالك مني ما حرم اللَّه عليك ، وبيننا وبينك اللَّه حكم هو أرضى للرضا ، وأسخط للسخط ، إليه جزاء العباد ، وثواب أعمالهم ، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، فو اللَّه إن النصارى على شركهم وكفرهم ، لو رأوا رجلا قد خدم عيسى عليه

--> « 1 » العصب : الشد والتفريق . السّلمة : شجر .