كمال الدين دميري

57

حياة الحيوان الكبرى

ويطمع فيما لا يناله . يا بني احذر الحسد ، فإنه يفسد الدين ، ويضعف النفس ، ويعقب الندم . يا بني إذا خدمت واليا فلا تنم إليه بأحد ، فإنه لا يزيده ذلك منك إلا نفورا ، فإنه إذا سمع منك في غيرك فإنه لا بد أن يسمع من غيرك فيك ، ويكون قلبه خائفا منك أن تنم عليه كما نميت إليه بغيره ، ولا يزال محترسا منك . وكن يا بني أقرب الناس إليه عند فرحه ، وأبعدهم منه عند غضبه ، وإن ائتمنك فلا تخنه ، وإن أنالك يسيرا ، فخذه واقبله فتبلغ به أن تنال كثيرا . وأكرم خدمه والطف بأصحابه ، وغض طرفك عن محارمه ، وأصم أذنك عن مجاوبته ، وأقصر لسانك عن حديثه واكتم في المجالس سره ، واتبع باللطف هواه ، وناصح في خدمته ، واجمع عقلك في مخاطبته ، ولا تأمن الدهر من غضبه ، فإنه ليس بينك وبينه نسب . والغضب يسرع إليه في كل وقت ، ووثبته كوثبة الأسد . يا بني كتمان السر صيانة للعرض . يا بني إن ردت أن تقوى على الحكمة فلا تملك نفسك للنساء ، فإن المرأة حرب ليس فيها صلح ، وهي إن أحبتك أكلتك ، وإن أبغضتك أهلتك . وفي كتاب ربيع الأبرار للزمخشري ، ورحلة ابن الصلاح ، التي بخطه ، قال الحسن البصري « 1 » : لو وجدت رغيفا من حلال ، لأحرقته ثم دققته ثم داويت به المرضى . ثم قال : اختلطت غنم البادية بغنم أهل الكوفة . فسأل أبو حنيفة كم تعيش الشاة ؟ قالوا : سبع سنين ، فترك أكل لحم الغنم سبع سنين . وأنشد المبرد : ما إن دعاني الهوى لفاحشة إلا عصاه الحياء والكرم فلا إلى حرمة مددت يدي ولا مشت بي لريبة قدم وفي تاريخ ابن خلكان ، أن هشام بن عبد الملك بعث إلى الأعمش « 2 » ، أن اكتب إلي بمناقب عثمان ومساوي علي رضي اللَّه تعالى عنهما ، فأخذ الأعمش القرطاس وأدخله في فم شاة ، فلاكته وقال للرسول : قل له هذا جوابه . فذهب الرسول ثم عاد ، وقال : إنه آلى أن يقتلني إن لم آته بالجواب ، وتحيل عليه بإخوته ، فقالوا له : افده من القتل ، فلما ألحوا عليه ، كتب : أما بعد فلو كان لعثمان مناقب أهل الأرض ، ما نفعتك ، ولو كان لعلي مساوي أهل الأرض ، ما ضرتك ، فعليك بخوصية نفسك والسلام . والأعمش اسمه سليمان بن مهران من أعلام التابعين ، رأى أنس بن مالك وأبا بكرة الثقفي وأخذ بركابه فقال له : يا بني ، إنما أكرمت ربك . وكان لطيف الخلق مزاحا ولم تفته التكبيرة الأولى سبعين سنة ، وله نوادر ، منها أنه كان له زوجة وكانت من أجمل نساء الكوفة ، فجرى بينهما كلام ، وكان الأعمش قبيح المنظر ، فجاءه رجل يقال له أبو البلاد يطلب الحديث منه ، فقال له : إن امرأتي نشزت عليّ ، فادخل عليها وأخبرها بمكاني من الناس ، فدخل عليها وقال : إن اللَّه تبارك

--> « 1 » الحسن البصري : الحسن بن يسار ، أبو سعيد ، تابعي من أهل البصرة ، عالم فقيه فصيح ، له مواقف مع الحجّاج . مات سنة 110 ه . « 2 » الأعمش : سليمان بن مهران الأسدي بالولاء ، أصله من بلاد الري ، نشأ في الكوفة وكان عالما بالقرآن والحديث والفرائض توفي سنة 148 ه .