كمال الدين دميري
507
حياة الحيوان الكبرى
فأخذت منه نونا وهو كاره ، فانقلب إليّ النون وهو حي فعض إبهامي عضة يسيرة ، فلم أجد لها ألما ، فانطلقت به إلى أهلي فصنعوه وأكلنا فوقعت الأكلة في إبهامي ، فاتفق الأطباء على أن أقطعها فقطعتها ، ثم عالجتها حتى قلت : قد برئت فوقعت الأكلة في كفي ، ثم في ساعدي ، ثم في عضدي ، فمن رآني فلا يظلمن أحدا . وذو النون لقب نبي اللَّه يونس بن متى عليه الصلاة والسلام ، لأنه ابتلعه الحوت * ( فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِله إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) * « 1 » روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص ، المجاب الدعوة رضي اللَّه تعالى عنه ، قال : سمعت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « إني لأعلمكم كلمة ما قالها مكروب إلا فرج اللَّه كربه عنه ، ولا دعا بها عبد مسلم إلا استجيب له ، دعوة أخي يونس لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين » « 2 » . وجمعت الظلمات لشدة تكاثفها عليه ، فإنها ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر ، قيل : وظلمة حوت التقم الحوت الأول . واختلفوا في مدة مكثه في بطنه ، فقيل : سبع ساعات ، وقيل : ثلاثة أيام ، وقيل : سبعة أيام ، وقيل : أربعة عشر يوما ، وقال السهيلي : أقام في بطنه أربعين يوما ، يتردد به في ماء الدجلة . ونقل الإمام أحمد ، في كتاب الزهد ، أن رجلا قال للشعبي : مكث يونس في بطن الحوت أربعين يوما فقال الشعبي : ما مكث إلا أقل من يوم التقمه ضحى ، فلما كان بعد العصر وقاربت الشمس الغروب ، تثاءب الحوت فرأى يونس ضوء الشمس ، فقال : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، قال : فنبذه وصار كأنه فرخ . فقال رجل للشعبي : أتنكر قدرة اللَّه ؟ قال : ما أنكر قدرة اللَّه ، ولو أراد اللَّه تعالى أن يجعل في بطنه سوقا لفعل . وروى البزار ، بإسناد جيد ، عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه ، قال : سمعت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « لما أراد اللَّه تعالى حبس يونس في بطن الحوت ، أوحى اللَّه إلى الحوت أن لا تخدش له لحما ، ولا تكسر له عظما ، فأخذه ثم أهوى به إلى مسكنه في البحر ، فلما انتهى به إلى أسفل البحر ، سمع يونس حسا ، فقال في نفسه : ما هذا ؟ فأوحى اللَّه إليه ، وهو في بطن الحوت ، ان هذا تسبيح دواب البحر ، فسبح وهو في بطن الحوت ، فسمعت الملائكة تسبيحه ، فقالوا : ربنا إننا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة ، فقال تعالى : ذاك عبدي يونس ، حبسته في بطن الحوت ، في بطن البحر . فقالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح . قال عز وجل : نعم فشفعوا له عند ذلك ، فأمر اللَّه تعالى الحوت فقذفه في الساحل . كما قال اللَّه تعالى : * ( فَنَبَذْناه بِالْعَراءِ وهُوَ سَقِيمٌ ) * « 3 » . وروي أن الحوت مشى به في البحار كلها ، حتى ألقاه في نصيبين ، من ناحية الموصل ، فنبذه اللَّه تعالى في عراء ، وهي الأرض الفيحاء التي لا شجر فيها ولا معلم . وهو سقيم كالطفل المنفوس ، مضغة لحم إلا أنه لم ينقص من خلقه شيء ، فأنعشه اللَّه في ظل اليقطينة بلبن أروية
--> « 1 » سورة الأنبياء : آية 87 . « 2 » رواه الترمذي : دعوات 81 . « 3 » سورة الصافات : آية 145 .