كمال الدين دميري

498

حياة الحيوان الكبرى

يفعل ذلك منها رؤساؤها . ومن طبعه أنه يحتكر قوته من زمن الصيف لزمن الشتاء ، وله في الاحتكار من الحيل ما أنه إذ احتكر ما يخاف إنباته قسمه نصفين ، ما خلا الكسفرة فإنه يقسمها أرباعا ، لما ألهم من أن كل نصف منها ينبت ، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره ، وأكثر ما يفعل ذلك ليلا في ضوء القمر ، ويقال إن حياته ليست من قبل ما يأكله ولا قوامه ، وذلك لأنه ليس له جوف ينفذ فيه الطعام ، ولكنه مقطوع نصفين ، وإنما قوته إذا قطع الحب في استنشاق ريحه فقط . وذلك يكفيه . وقد تقدم في العقعق والفأر عن سفيان بن عيينة أنه قال : ليس شيء يحتال لقوته إلا الإنسان والعقعق والنمل والفأر ، وبه جزم في الإحياء ، في كتاب التوكل . وعن بعضهم أن البلبل يحتكر الطعام ، ويقال : إن للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها . والنمل شديد الشم ومن أسباب هلاكه نبات أجنحته ، فإذا صار النمل كذلك أخصبت العصافير لأنها تصيدها في حال طيرانها . وقد أشار إلى ذلك أبو العتاهية بقوله « 1 » : وإذا استوت للنمل أجنحة حتى يطير فقد دنا عطبه وكان الرشيد كثيرا ما ينشد ذلك عند نكبة البرامكة . وقد تقدمت الإشارة إليها في باب العين المهملة في لفظ العقاب ، وهو يحفر قريته بقوائمه وهي ست ، فإذا حفرها جعل فيها تعاريج لئلا يجري إليها ماء المطر ، وربما اتخذ قرية بسبب ذلك ، وإنما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلل . قال البيهقي في الشعب : وكان عدي بن حاتم الطائي يفت الخبز للنمل ، ويقول : إنهن جارات ولهن علينا حق الجوار ، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى ، في الوحش عن الفتح بن سخرب الزاهد ، أنه كان يفت الخبز لهن في كل يوم فإذا كان يوم عاشوراء لم تأكله . وليس في الحيوان ما يحمل ضعف بدنه مرارا غيره ، على أنه لا يرضى بأضعاف الأضعاف ، حتى إنه يتكلف لحمل نوى التمر ، وهو لا ينتفع به ، وإنما يحمله على حمله الحرص والشره . ويجمع غذاء سنين لو عاش ، ولا يكون عمره أكثر من سنة . ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت الأرض ، وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقة ، يملؤها حبوبا وذخائر للشتاء ومنه ما يسمى الذر الفارسي ، وهو من النمل بمنزلة الزنابير من النحل ، ومنه أيضا ما يسمى بنمل الأسد ، سمي بذلك لأن مقدمه يشبه وجه الأسد ومؤخره يشبه النمل . فائدة : في الصحيحين « 2 » وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « نزل نبي من الأنبياء عليهم السلام تحت شجرة ، فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ، وأمر بها فأحرقت بالنار . فأوحى اللَّه إليه : فهلا نملة واحدة » . قال أبو عبد اللَّه الترمذي ، في نوادر الأصول : لم يعاتبه اللَّه على تحريقها ، وإنما عاتبه على كونه أخذ البريء

--> « 1 » الحيوان للجاحظ : 4 / 36 . « 2 » رواه البخاري بدء الخلق 16 . ومسلم : سلام 149 ، 150 . وأبو داود : أدب 164 .