كمال الدين دميري

491

حياة الحيوان الكبرى

أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا أي لا أضبطه وقوله « 1 » تعالى : * ( والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأَنْعامُ ) * قال ثعلب : معناه لا يذكرون اللَّه على طعامهم ولا يسمعون ، كما أن الأنعام لا تفعل ذلك . روى الشيخان وغيرهما ، من حديث سهل بن سعد رضي اللَّه تعالى عنه ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، قال لعلي رضي اللَّه تعالى عنه : « لأن يهدي اللَّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » « 2 » . وهذا يدل على فضل العلم والتعليم وشرف منزلة أهله ، بحيث إنه إذا اهتدى به رجل واحد لا يعلم العلم ، كان ذلك خيرا له من حمر النعم ، وهي خيارها وأشرفها عند أهلها ، فما الظن بمن يهتدي به كل يوم طوائف من الناس . والنعم كثيرة الفائدة ، سهلة الانقياد ، ليس لها شراسة الدواب ، ولا نفرة السباع ، ولشدة حاجة الناس إليها ، لم يخلق اللَّه سبحانه وتعالى لها سلاحا شديدا ، كأنياب السباع وبراثنها ، وأنياب الحشرات وابرها ، وجعل من شأنها الثبات والصبر على التعب والجوع والعطش . وخلقها ذلولا تقاد بالأيدي ، كما قال « 3 » تعالى : * ( وذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ ومِنْها يَأْكُلُونَ ) * وجعل اللَّه تعالى قرنها سلاحا لها ، لتأمن به من الأعداء ، ولما كان مأكلها الحشيش ، اقتضت الحكمة الإلهية أن جعل له أفواها واسعة ، وأسنانا حدادا ، وأضراسا صلابا ، لتطحن بها الحب والنوى . فائدة : جعل اللَّه تعالى الأنعام رفقا بالعباد ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة ، قال اللَّه تعالى : * ( وذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ ومِنْها يَأْكُلُونَ ، ولَهُمْ فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ ) * « 4 » فكان أهل الجاهلية يقطعون طريق الانتفاع ، ويذهبون نعمة اللَّه فيها ، ويزيلون المنفعة والمصلحة التي للعباد فيها بفعلهم الخبيث . قال اللَّه تعالى : * ( ما جَعَلَ الله مِنْ بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وَصِيلَةٍ ولا حامٍ ) * « 5 » فلفظ جعل في الآية لا يتجه أن يكون بمعنى خلق ، لأن اللَّه تعالى خلق هذه الأشياء كلها ، ولا بمعنى صير لعدم المفعول الثاني ، وإنما هو بمعنى ما سن ولا شرع ، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد . والبحيرة هي الناقة ، كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها ، أي شقوها وحرموا ركوبها ، والحمل عليها ، ولم يجزوا وبرها ، وتركوها تأكل حيث شاءت لا تطرد عن ماء ولا كلأ ، ثم نظروا إلى خامس ولدها ، فإن كان ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء ، وإن كان أنثى بحروا أذنها أي شقوها وتركوها ، وحرّموا على النساء لبنها ومنافعها . وكانت منافعها للرجال خاصة ، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء ، وقيل : كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة إناثا سيبت ، فلم تركب ظهورها ، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف . فما نتجت بعد ذلك من أنثى بحر أذنها ، أي شق ثم خلى سبيلها مع أمها في الإبل ، فلم تركب ولم يجز وبرها ، ولم يشرب لبنها إلا ضيف ، كما

--> « 1 » سورة محمد : آية 12 . « 2 » رواه البخاري : جهاد 143 ، فضائل أصحاب النبي 62 . مغازي 38 ، أطعمة 1 . ومسلم : فضائل 35 . « 3 » سورة يس : آية 72 ، 73 . « 4 » سورة يس : آية 72 ، 73 . « 5 » سورة المائدة : آية 103 .