كمال الدين دميري

484

حياة الحيوان الكبرى

وترك . فقلت : تراه عرفني . فأسرعت فصاح بي يا أصمعي فالتفت فقال : لنقل الصخر من قلل الجبال أحبّ إلي من منن الرجال يقول الناس : كسب فيه عار وكلّ العار في ذلّ السؤال وقال الأصمعي : سألت أعرابية عن ولد لها كنت أعرفه ، فقالت : مات وأنسى المصائب . ثم قالت : وكنت أخاف الدهر ما كان آمنا فلما تولَّى مات خوفي من الدهر وقال : قلت لرجل من الأعراب أعرفه بالكذب : أصدقت قط ؟ فقال : لولا أني أصدق في هذا لقلت : لا . وقال الأصمعي للكسائي ، وهما عند الرشيد : ما معنى قول « 1 » الراعي ؟ قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ودعا فلم أر مثله مخذولا فقال الكسائي : كان محرما بالحج . فقال الأصمعي : فما أراد عدي بن زيد بقوله « 2 » : قتلوا كسرى بليل محرما فمضى فلم يمتع بكفن فهل كان محرما بالحج وأي إحرام لكسرى ؟ فقال الرشيد للكسائي : يا علي إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي . وروي أن الرشيد قال للأصمعي : ما أحسن ما مر بك في تقويم اللسان ؟ قال : أوصى رجل بعض بنيه فقال : يا بني أصلحوا من ألسنتكم ، فإن الرجل تنوبه النائبة ، فيتحمل فيها فيستعير من أخيه وأبيه ومن صديقه ثوبه ، ولا يجد من يعيره لسانه ، وأنشد « 3 » في ذلك : وما حسن الرجال لهم بزين إذا لم يسعد الحسن اللسان كفى بالمرء عيبا أن تراه له وجه ليس له لسان ويروى عن الأصمعي أنه قال : وجدني أبو عمرو بن العلاء مارا في بعض أزقة البصرة فقال : إلى أين يا أصمعي ؟ فقلت : لزيارة بعض إخواني . فقال : يا أصمعي إن كان لفائدة أو عائدة ، وإلا فلا . وقد أنشدني في ذلك يوسف الحلبي : يا أيها الإخوان أوصيكم وصية الوالد والوالده لا تنقلوا الأقدام إلَّا إلى من لكم عنده فائده إما لعلم تستفيدونه أو لكريم عنده مائده وكان من كلام الأصمعي : خير العلم ما أطفأت به الحريق ، وأخرجت به الغريق . وكان يقول : أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة ، فيها ما عدد أبياتها المائة والمائتان . ومن عجيب ما يحكى قال أبو العيناء : كنا في جنازة الأصمعي ، فحدثني أبو قلابة « 4 » الشاعر ، وأنشدني « 5 » لنفسه :

--> « 1 » ديوانه : 231 . « 2 » وفيات الأعيان : 3 / 170 . « 3 » عيون الأخبار : 2 / 185 . « 4 » أبو قلابة : عبد اللَّه بن زيد بن عمرو عالم بالقضاء والأحكام . مات بالشام سنة 104 ه . « 5 » البيتان في وفيات الأعيان : 3 / 176 .