كمال الدين دميري
465
حياة الحيوان الكبرى
الشكل المسدس ، فلا تبني بيتها مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا ، بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس ، يقصر فهم المهندس عن درك ذلك ، وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستدير ، وما يقرب منه فإن المربع تخرج منه زوايا ضائعة ، وشكل النحل مستدير مستطيل ، فترك المربع حتى لا تبقى الزوايا فارغة . ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة ، فإن الأشكال المستديرة ، إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة ، بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة ، إلا المسدس . وهذه خاصية هذا الشكل ، فانظر كيف ألهم اللَّه تعالى النحل على صغر جرمه ذلك لطفا به وعناية بوجوده ، فيما هو محتاج إليه ليهنأ عيشه . فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه . وفي طبعه أنه يهرب بعضه من بعض ، ويقاتل بعضه بعضا في الخلايا ، ويلسع من دنا من الخلية ، وربما هلك المسلوع ، وإذا هلك شيء منها داخل الخلايا ، أخرجته الأحياء إلى خارج ، وفي طبعه أيضا النظافة ، فلذلك يخرج رجيعه من الخلية ، لأنه منتن الريح . وهو يعمل زماني الربيع والخريف ، والذي يعمله في الربيع أجود . والصغير أعمل من الكبير ، وهو يشرب من الماء ما كان صافيا عذبا ، يطلبه حيث كان ، ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه ، وإذا قل العسل في الخلية ، قذفه بالماء ليكثر ، خوفا على نفسه من نفاده ، لأنه إذا نفد ، أفسد النحل بيوت الملوك وبيوت الذكور ، وربما قتلت ما كان منها هناك . قال حكيم من اليونان لتلامذته : كونوا كالنحل في الخلايا ، قالوا : وكيف النحل في الخلايا ؟ قال : إنها لا تترك عندها بطالا إلا نفته وأبعدته ، وأقصته عن الخلية ، لأنه يضيق المكان ، ويفني العسل ، ويعلم النشيط الكسل . والنحل يسلخ جلده كالحيات ، وتوافقه الأصوات اللذيذة المطربة ويضره السوس . ودواؤه أن يطرح له في كل خلية كف ملح ، وأن يفتح في كل شهر مرة ، ويدخن باخثاء البقر . وفي طبعه أنه متى طار من الخلية يرعى ثم يعود ، فتعود كل نحلة إلى مكانها لا تخطئه . وأهل مصر يحولون الخلايا في السفن ويسافرون بها إلى مواضع الزهر والشجر ، فإذا اجتمع في المرعى فتحت أبواب الخلايا ، فيخرج النحل منها ويرعى يومه أجمع ، فإذا أمسى عاد إلى السفينة وأخذت كل نحلة منها مكانها من الخلية لا تتغير عنه . روى « 1 » الإمام أحمد والحاكم والترمذي والنسائي ، من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه ، أنه قال : كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، إذا نزل عليه الوحي ، سمع عنده دوي كدوي النحل ، فنزل عليه صلى اللَّه عليه وسلم يوما ، فمكثنا ساعة ، ثم سري عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال : « اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا » . ثم قال صلى اللَّه عليه وسلم : « لقد أنزل اللَّه علي عشر آيات ، من أقامهن دخل الجنة » . ثم قرأ : * ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ) * « 2 » الآيات . قال : صحيح الإسناد .
--> « 1 » رواه الترمذي : تفسير سورة 23 - 1 . وابن حنبل 1 - 34 . « 2 » سورة المؤمنون : آية 2 .