كمال الدين دميري

455

حياة الحيوان الكبرى

جوفاء وبراء وعشراء ، كما وصفوا ، لا يعلم ما بين جنبيها عظما إلا اللَّه تعالى ، وهم ينظرون ثم نتجت سقبا مثالها في العظم فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه . فقال لهم صالح عليه السلام : هذه ناقة اللَّه لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم . فمكثت الناقة ، ومعها سقبها في أرض ثمود ، ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد الماء غبا ، فإذا كان يوم شربها ، وضعت رأسها في بئر في الحجر ، يقال لها بئر الناقة لا ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها ، فلا تدع فيها قطرة ، ثم ترفع رأسها فتتفحج لهم ، فيحلبون منها ما شاؤوا من لبن ، فيشربون ويدخرون ويملؤون أوانيهم كلها . ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه ، لأنها لا تقدر أن تصدر من حيث جاءت . فإذا كان الغد كان يومهم ، فيشربون من الماء ما شاؤوا ، أو يدخرون ما شاؤوا فهم من ذلك في بر ودعة . وكانت الناقة تصيف ، إذا كان الحر ، بظهر الوادي ، فتهرب منها المواشي إلى بطن الوادي ، في حره وجدبه ، وتشتو إذا كان الشتاء ببطن الوادي ، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب ، فأضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار ، فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم ، وحملهم ذلك على عقر الناقة ، فعقرها قدار بن سالف ، وهو أشقى الأولين . وكان أحمر أزرق قصيرا ملتزق الخلق ، واسم أمه قديرة . روي أنه ولد على فراش سالف ، ولم يكن من ظهره ، فدعته امرأة يقال لها عنيزة ، وكانت عجوزا مسنة ، وكانت ذات بنات حسان ، وذات مال من إبل وبقر وغنم . وكان قدار عزيزا منيعا في قومه ، فقالت له : أعطيك أي بناتي شئت ، على أن تعقر الناقة . فانطلق قدار فكمن لها في أصل شجرة على طريقها ، فلما مرت به شد عليها بالسيف فعقرها ، فذلك قوله « 1 » تعالى : * ( فَتَعاطى فَعَقَرَ ) * أي قام على أطراف أصابع رجليه ، ثم رفع يديه فضربها ، فجرت ورغت رغاءة واحدة تحذر سقبها ، فانطلق السقب حتى أتى جبلا منيعا ، يقال له صنو . وأتى صالح عليه السلام فقيل له : أدرك الناقة ، فقد عقرت ، فأقبل وخرجوا يتلقونه يعتذرون إليه . ويقولون له : يا نبي اللَّه إنما عقرها فلان ، لا ذنب لنا . فقال : انظروا هل تدركون فصيلها ، فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب ، فخرجوا يطلبونه ، فلما رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه ، فأوحى اللَّه إلى الجبل فتطاول في السماء حتى ما يناله الطير . وقدار بضم القاف ثم دال مهملة مخففة ثم ألف ثم راء مهملة هكذا ذكره جميع أهل التواريخ وغيرهم . ووقع في المهذب ، في باب الهدنة ، أن اسمه العيزار بن سالف ، وهو وهم بلا خلاف . وكان عقر الناقة يوم الأربعاء ، فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرة ، كأنما طليت بالخلوق ، صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وإنثاهم فأيقنوا بالعذاب ، وكان صالح عليه الصلاة والسلام قد أخبرهم بذلك . وخرج هاربا منهم فشغلهم عنه ما نزل بهم ، من عذاب اللَّه ، فجعل بعضهم يخبر بعضا ما يرون في وجوههم ، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل ، فلما أصبحوا يوم الجمعة إذا وجوههم محمرة ، كأنما خضبت بالدماء ، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل ، فلما أصبحوا يوم السبت إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار ، فلما

--> « 1 » سورة القمر : آية 29 .