كمال الدين دميري
442
حياة الحيوان الكبرى
أبي هريرة رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم ، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة » . قال الترمذي : حديث حسن . قال : وقد روي عن سفيان ابن عيينة أنه قال : هو مالك بن أنس انتهى . والحديث المذكور رواه النسائي والحاكم ، في أوائل المستدرك من حديث ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « 1 » : « يوشك أن تضربوا أكباد الإبل فلا تجدوا عالما أعلم من عالم المدينة » ثم قال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه انتهى . قلت : إنما لم يخرجه مسلم لأنه سأل البخاري عنه فقال : له علة وهي أن أبا الزبير ، لم يسمع من أبي صالح ، ولما روى النسائي ، في السنن الكبرى هذا الحديث ، من رواية ابن عيينة ، عن ابن جريج عن أبي الزناد ، عن أبي هريرة عقبه بقوله : هذا خطأ . والصواب عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة وقيل : عالم المدينة عبد اللَّه بن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العمري المدني الزاهد ، روى عنه ابن عيينة وابن المبارك وغيرهما . وكان من أزهد أهل زمانه وأشدهم تخليا للعبادة . وروي أن الرشيد قال : واللَّه إني أريد الحج كل سنة ، ما يمنعني من ذلك إلا رجل من ولد عمر رضي اللَّه عنه يسمعني ما أكره يعني العمري . توفي العمري سنة أربع وثمانين ومائة بعد مالك بنحو ست سنين وهو ابن ست وستين سنة . قال عمر بن شبة : حدثنا أبو يحيى الزهري ، قال : قال عبد اللَّه بن عبد العزيز العمري عند موته : بنعمة ربي أحدث ، لو أن الدنيا أصبحت تحت قدمي ، لا يمنعني من أخذها إلا أن أزيل قدمي عنها ما أزلتها ، وكتب العمري إلى مالك وابن أبي ذئب وابن دينار وغيرهم بكتب ، أغلظ لهم فيها ، فجاوبه مالك جواب فقيه . قال ابن عبد البر ، في التمهيد : كتب العمري العابد إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل ، ويرغبه به عن الاجتماع عليه في العلم ، فكتب إليه مالك أن اللَّه عز وجل قسم الأعمال ، كما قسم الأرزاق ، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم ، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام ، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة ، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر ، وقد رضيت بما فتح اللَّه لي فيه من ذلك ، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه ، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر . ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم اللَّه له والسلام . وفي الإحياء ، في الباب السادس من أبواب العلم ، يحكى أن يحيى بن يزيد النوفلي ، كتب إلى مالك بن أنس : بسم اللَّه الرحمن الرحيم وصلى اللَّه على سيدنا محمد في الأولين والآخرين من يحيى بن يزيد إلى مالك بن أنس ، أما بعد فقد بلغني أنك تلبس الرقاق ، وتأكل الرقاق ، وتجلس على الوطاء ، وتجعل على بابك حجابا ، وقد جلست مجلس العلم ، وضربت إليك آباط المطي ، وارتحل إليك الناس ، فاتخذوك إماما ورضوا بقولك ، فاتق اللَّه يا مالك ، وعليك بالتواضع . كتبت إليك بالنصيحة مني كتابا ، ما اطلع عليه إلا اللَّه والسلام .
--> « 1 » رواه الترمذي : علم 18 . وابن حنبل 2 / 299 .