كمال الدين دميري

433

حياة الحيوان الكبرى

ولعل أبا عاصم أراد بالمستثنى بالنص غراب الزرع ، والغداف الصغير فإنهم يلقطان الحب ، ويأكلان الزرع . كما قاله الماوردي في الحاوي ، وفيهما وجهان أصحهما في الروضة تحريم الغداف وحل الزرعي . وقد تقدم طرف من هذا في أحكام الغراب ، لكن كلام الرافعي يقتضي حلهما ، فمن قال بتحريمهما استثناهما من اللقاط ، ولم يحمل الأمر الوارد بقتل الغراب على الأبقع وحده ، بل عليه وعلى غيره . ونقل الجاحظ هذا الاحتمال عن صاحب المنطق ، فقال : قال صاحب المنطق : الغراب جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحال والحرم ، وهذا صريح في أن الجميع فواسق ، وأن قتل جميعها مستحب . وقد صرح في الحاوي باستحباب قتل الغراب الأسود الكبير ، وألحقه بالأبقع وجعل النهي علة تحريمه ، ومن قال : يحل اللقاط مطلقا لم يستثن شيئا ، وحمل الأمر بقتل الغراب على الأبقع ، لأنه قد ورد التقييد ، في بعض الروايات بالغراب الأبقع . وهذا إنما يستقيم إذا قلنا : إنّ ذكر بعض أفراد العموم تخصيص ، والصحيح أنه ليس بتخصيص . والغراب الأبقع ، وإن كان يلقط الحب ، فهو غير وارد على البوشنجي ، لأن غالب أكله الخبائث ، بخلاف الزرعي والغداف الصغير واللَّه تعالى أعلم . اللقلق : طائر أعجمي طويل العنق وكنيته عند أهل العراق أبو خديج ، وعبر عنه الجوهري بالقاف ، وهو اسم أعجمي قال : وربما قالوا : اللغلغ ، والجمع اللقالق ، وهو يأكل الحيات ، وصوته اللقلقة ، وكذلك كل صوت فيه حركة واضطراب . ويوصف بالفطنة والذكاء ، قال القزويني ، في الأشكال : قال الرئيس : من ذكاء هذا الطائر أنه يتخذ له عشين يسكن في كل واحد منهما بعض السنة ، وأنه إذا أحسّ بتغير الهواء عند حدوث الوباء ، ترك عشه وهرب من تلك الديار ، وربما ترك بيضه أيضا . قال : ومما يتوصل به إلى طرد الهوام اتخاذ اللقلق ، فإن الهوام تهرب من مكان هو فيه ، لفزعها منه وإذا ظهرت قتلها . الحكم : في حله وجهان : أحدهما ، وبه قال الشيخ أبو محمد : يحل كالكركي ورجحه الغزالي ، والثاني يحرم ، وصححه البغوي وجزم به العبادي ، واحتج بأنه يأكل الحيات ، ويصف في الطيران . وقد قال صلى اللَّه عليه وسلم : « كل ما دفّ ودّع ما صف » . يقال : دف الطائر في طيرانه إذا حرك جناحيه ، كأنه يضرب بهما ، وصف إذا لم يتحرك ، كما تفعل الجوارح . ومنه قوله « 1 » تعالى : * ( أَولَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ ) * . والأصح في شرح المهذب والروضة أنه حرام . واللقلق من طير الماء وقد تقدم استثناؤه . الخواص : إذا ذبح فرخ من فراخه وطلي به بدن المجذوم نفعه نفعا بينا ، وإذا أخذ من دماغه وزن دانق ومن إنفحة الأرنب مثله ، وأذيبا على النار ، فمن طعم منه باسم آخر هيج روحانية المحبة في قلبه . وقال هرمس : من حمل عظم اللقلق معه زال همه ، وإن كان عاشقا سلا ومن حمل

--> « 1 » سورة الملك : آية 19 .