كمال الدين دميري

393

حياة الحيوان الكبرى

فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا الحجر فانصدع حتى عرفوا وتبين لهم . وقال الآخر : قد عملت حسنة مرة ، كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكان لي غنم فكنت أطعم والدي وأسقيهما ، ثم أرجع إلى غنمي ، فأصابني يوما غيث ، فحبسني حتى أمسيت ، فأتيت أهلي وأخذت محلبي ، فحلبت غنمي وتركتها قائمة ، ومضيت إلى أبوي ، فوجدتهما قد ناما ، فشق علي أن أوقظهما ، وشق علي أن أترك غنمي ، فما برحت جالسا ومحلبي على يدي ، حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما . اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا . قال النعمان بن بشير : لكأني أسمع من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « قال الجبل طاق طاق ففرج اللَّه عنهم فخرجوا » . وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما : الرقيم واد بين عمان وأيلة دون فلسطين ، وهو الوادي الذي فيه أصحاب الكهف . وقال كعب : هي قريتهم وهو على هذا التأويل من رقمة الوادي ، وهو موضع الماء منه ، تقول العرب : عليك بالرقمة ودع الضفة . والضفتان جانبا الوادي . وقال سعيد بن جبير : الرقيم لوح من حجارة . وقيل : من رصاص كتبوا فيه أسماء أهل الكهف ، وهو على هذا التأويل بمعنى المرقوم أي الكتاب المرقوم . والرقم الخط والعلامة والرقم الكتابة . ثم ذكر صفتهم فقال « 1 » تعالى : * ( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ) * أي رجعوا وصاروا إليه . واختلفوا في سبب مصيرهم إلى الكهف ، فقال محمد بن إسحاق : مرح أهل الإنجيل وكثرت الخطايا فيهم ، وعظمت الذنوب وطغت فيهم الملوك ، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت ، وفيهم بقايا على دين المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام ، متمسكين بعبادة اللَّه وتوحيده . فكان ممن فعل ذلك ملك من ملوكهم من الروم ، يقال له دقيانوس ، كان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت ، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقام على دين المسيح ، وكان ينزل قرى الروم فكان لا يترك فيها أحدا مؤمنا إلا فتنة ، حتى يعبد الأصنام ويذبح للطواغيت ، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف ، وهي أفسوس ، فلما نزلها كبر ذلك على أهل الإيمان فاستخفوا منه ، وهربوا في كل وجه . وكان دقيانوس قد أمر حين قدمها أن يتتبع أهل الإيمان في أماكنهم ، فيجمعوا له واتخذ شرطة من الكفار ، من أهلها فجعلوا يتتبعون أهل الإيمان ، في أماكنهم فيخرجونهم إلى دقيانوس ، فيقدمهم إلى الجامع الذي يذبح فيه للطواغيت ، فيخيرهم بين القتل وعبادة الأصنام والذبح للطواغيت ، فمنهم من يرغب في الحياة ، ومنهم من يأبى أن يعبد غير اللَّه تعالى فيقتل . فلما رأى أهل ذلك البلد الشدة في الإيمان باللَّه جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل ، فيقطعون ويعلق ما قطع من أجسادهم على سور المدينة ونواحيها كلها ، وعلى كل باب من أبوابها ، حتى عظمت الفتنة على أهل الإيمان منهم ، من أقر فترك ، ومنهم من صلب على دينه فقتل .

--> « 1 » سورة الكهف : آية 10 .