كمال الدين دميري

385

حياة الحيوان الكبرى

الدم ثم صد به تغنم . قال مالك : فخرجت من فوري إلى طوى الأرقم ، فإذا كلب أسحم هائل المنظر ، قد وثب على قرهب ، يعني ثورا وحشيا ، فصرعه وأنا أنظر إليه ، ثم بقر بطنه وجعل يلغ في دمه فتهيبته ، ثم تجاسرت فتقدمت عليه وهو مقبل على عقيرته ، لم يلتفت إلي فشددت في عنقه حبلا ، ثم جذبته فتبعني فأتيت راحلتي فأثرتها وقدتها ، إلى القرهب وأنختها فجررته وحملته عليها ، ثم قدتها وسرت قاصدا إلى الحي والكلب يلوذ بي ، فعنت لي ظبية فجعل الكلب يثب ويجاذبني الحبل ، فترددت في إرساله ثم أرسلته ، فمر كالسهم حتى اختطفها ، فأتيته فجاذبته إياها ، فأرسلها من يديه ، فاستقر بي السرور ، وأتيت إلى أهلي فعترت الظبية لغلاب ، ووزعت لحم القرهب وبت بخير ليلة . ثم باكرت به الصيد ، فلم يفته حمار ولا ماطلة ثور ، ولا اعتصم منه وعل ، ولا أعجزه ظبي ، فتضاعف سروري به ، وبالغت في إكرامه وسميته سحاما . فلبثت كذلك ما شاء اللَّه . فإني لذات يوم أصيد به ، إذ بصرت بنعامة على أدحيها ، وهي قريبة مني فأرسلته عليها فأجفلت أمامه ، وأتبعتها على فرس جواد ، فلما كاد الكلب أن يثب عليها ، انقضت عليه عقاب من الجو ، فكر راجعا نحوي ، فصحت به فما كذب ، وأمسكت الفرس فجاء سحام حتى دخل بين قوائمها ، ونزلت العقاب أمامي على شجرة ، وقالت : سحام ! قال الكلب : لبيك . قالت : هلكت الأصنام ، وظهر الإسلام ، فأسلم تنج بسلام ، وإلا فليست بدار مقام . ثم طارت العقاب وتبصرت سحاما فلم أره وكان آخر عهدي به . قوله طوى أرقم ، الطوى بئر مطوية بالحجارة ، والأسحم الأسود وبه سمي الكلب سحاما ، فهو فعال من ذلك . وقوله : بنعامة على أدحيها ، أي الموضع الذي فيه بيضها وقوله ما كذب أي ما توقف ولا انثنى . فائدة : روى الحاكم في المستدرك ، عن عائشة أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها ، قالت : قدمت امرأة من أهل دومة الجندل علي تبتغي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، بعد موته بيسير ، تسأله عن شيء دخلت فيه ، من أمر السحر لم تعلم به ، قالت : فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، حتى إني لأرحمها من كثرة بكائها ، وهي تقول : إني أخاف أن أكون قد هلكت ، فسألتها عن قصتها ، فقالت : كان لي زوج قد غاب عني ، فدخلت علي عجوز فشكوت لها حالي ، فقالت : إن فعلت ما آمرك به فإنه يأتيك بعلك ! فقلت : إني أفعل . فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين ، فركبت أحدهما ، وتركت الآخر ، فلم يكن بأسرع حتى وقفنا ببابل ، فإذا أنا برجلين معلقين بأرجلهما ، فقالا : ما حاجتك ؟ وما جاء بك ؟ فقلت : أتعلم السحر ؟ فقالا : إنما نحن فتنة فلا تكفري ! وارجعي . فأبيت وقلت : لا أرجع . قالا : فاذهبي إلى التنور فبولي فيه ، فذهبت إليه فاقشعر جلدي ففزعت منه ، ولم أفعل فرجعت إليهما ، فقالا لي : فعلت ؟ قلت : نعم . قالا : هل رأيت شيئا ؟ قلت : لم أر شيئا . فقالا : لم تفعلي . ارجعي إلى بلادك لا تكفري ، فأبيت فقالا : اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت إليه فاقعشر جلدي وخفت ثم رجعت إليهما فقالا لي : ما رأيت ؟ إلى أن قالت : فذهبت في الثالثة فبلت فيه فرأيت فارسا مقنعا بالحديد ، خرج مني حتى ذهب في السماء ، فأتيتهما فأخبرتهما فقالا : صدقت ، ذاك إيمانك خرج منك ، اذهبي .