كمال الدين دميري
374
حياة الحيوان الكبرى
قال السهيلي : والحكمة في خاتم النبوة على جهة الاعتبار ، أنه صلى اللَّه عليه وسلم لما ملىء قلبه حكمة ويقينا ختم عليه ، كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درا . وأما وضعه أسفل من غضروف الكتف ، فلأنه صلى اللَّه عليه وسلم معصوم من وسوسة الشيطان ، وذلك الموضع منه يوسوس الشيطان لابن آدم ، لما روى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز رحمه اللَّه تعالى ، أن رجلا سأل ربه سنة أن يريه موضع الشيطان منه ، فأري جسدا كالبلور ، يرى داخله من خارجه ، والشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفه ، يحاذي قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة ، قد أدخله إلى قلبه يوسوس له ، فإذا ذكر اللَّه العبد خنس . وقد تقدم هذا في باب الضاد المعجمة في الضفدع منقولا عن الزمخشري . قلت : وانشقاق الصدر حصل له صلى اللَّه عليه وسلم مرتين : إحداهما في صغره وهي هذه ، والأخرى في كبره ليلة الإسراء . ففي الصحيحين « 1 » من حديث أنس وأبي ذر أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « فرج عني سقف بيتي ، وأنا بمكة ، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ، ثم جاء بطشت من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثم أطبقه » . وقال أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أنه صلى اللَّه عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال : « بينا أنا في الحطيم ، وربما قال في الحجر بين النائم واليقظان ، إذ نزل علي رجلان ، فأتيت بطشت من ذهب مملوء حكمة وإيمانا ، فشق صدري من النحر إلى مراق البطن ، واستخرج قلبي فغسل ، ثم حشي ثم أعيد » . وقال سعيد بن هشام : « ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملىء إيمانا وحكمة ثم أتيت بالبراق فركبته » . الحديث بطوله . وقال قوم : عرج به صلى اللَّه عليه وسلم من دار أم هانىء أخت علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنهما . الحكم : يحل أكله بلا خلاف ، وما أوهمه العبادي من جريان ، خلاف طير الماء الأبيض فيه شاذ مردود . وقال الأصحاب : ما كان من الطيور المأكولة أكبر من الحمام كالبط والكركي ، إذا قتلها المحرم أو قتلت في الحرم ، فيه قولان : أحدهما إيجاب الشاة إلحاقا بالحمام من باب أولى ، لأنه أكبر شكلا من الحمام ، ويشهد له قول عطاء في عظام الطير شاة كالكركي والحبارى والإوز ، والقول الثاني اعتبار القيمة ، وهو القياس ، فإن الشاة في الحمام لا تباع النقل . ويشهد له قول ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما ، ما كان سوى حمام الحرم ، ففيه ثمنه إذا أصابه المحرم . الأمثال : قالوا : « فلان أحرس من الكركي » لأنه يقوم الليل كله على إحدى رجليه كما تقدم . ومن أحسن ما يحكى عن الإمام الزاهد القدوة أبي سليمان الداراني أنه قال : اختلفت إلى مجلس قاص فتكلم فأحسن في كلامه فأثر كلامه في قلبي ، فلما قمت لم يبق في قلبي منه شيء ، فعدت ثانيا فسمعت كلامه فبقي في قلبي أثر كلامه في الطريق ، ثم زال ثم عدت ثالثا ، فبقي في قلبي أثر كلامه حتى رجعت إلى منزلي ، فلزمت الطريق . فحكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ الرازي رحمه اللَّه تعالى . فقال « عصفورا اصطاد كركيا » أراد بالعصفور ذلك القاص وبالكركي أبا سليمان .
--> « 1 » رواه البخاري : صلاة 1 ، حج 76 ، أنبياء 5 . ومسلم : إيمان 263 ، وابن حنبل 5 / 122 .