كمال الدين دميري

366

حياة الحيوان الكبرى

أتى به المنحر في منى ، فلما أمره اللَّه تعالى بذبح الكبش ذبحه ، وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة ، طويت لهما الأودية والجبال . واحتجوا أيضا بقوله تبارك وتعالى : * ( فَبَشَّرْناه بِغُلامٍ حَلِيمٍ « 1 » * ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَه السَّعْيَ ، قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) * . قالوا : وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى ما قال في سورة هود * ( فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ ) * « 2 » . وممن ذهب إلى أنه إسحاق شيخ التفسير محمد بن جرير الطبري رحمة اللَّه عليه وروي عن مالك . وقالت فرقة : الذبيح إسماعيل ، واحتجوا بأن اللَّه تعالى ذكر البشارة بإسحاق ، بعد الفراغ من قصة الذبيح . فقال : * ( فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ ومِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ) * « 3 » فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة منه ؟ قال محمد بن كعب القرظي : سأل عمر بن عبد العزيز رضي اللَّه تعالى عنه رجلا من علماء يهود ، وكان قد أسلم وحسن إسلامه ، أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال : إسماعيل . ثم قال : يا أمير المؤمنين إن يهود لتعلم ذلك ، ولكنهم يحسدونكم يا معشر العرب ، على أن يكون أبوكم الذي أمر اللَّه تعالى بذبحه ، ويزعمون أنه إسحاق أبوهم ، ومن الدليل عليه أن قرني الكبش ، كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت ، واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج . قال الشعبي رحمه اللَّه : رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة ، وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما : والذي نفسي بيده ، لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة قد وخش . يعني قد يبس . وقال الأصمعي : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح ، إسحاق كان أو إسماعيل ؟ فقال : يا أصمعي أين ذهب عقلك متى كان إسحاق بمكة ؟ وإنما كان إسماعيل بمكة ، وهو الذي بنى البيت مع أبيه . وقال محمد بن إسحاق : كان إبراهيم إذا زار هاجر وإسماعيل ، حمل على البراق فيغدو من الشام ويقيل بمكة ، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشأم ، حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي ، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته ، أمر في المنام أن يذبحه ، وذلك أنه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له : إن اللَّه يأمرك بذبح ابنك هذا ، فلما أصبح روى في نفسه ، أي فكر أمن اللَّه هذا أم من الشيطان . فمن ثم سمي يوم التروية . فلما أمسى رأى ما رأى في المنام ثانيا ، فلما أصبح عرف أنه من اللَّه تعالى ، فمن ثم سمي يوم عرفة ، فهم بنحر ابنه ففداه اللَّه تعالى بالكبش . وروى البيهقي ، في البعث والنشور ، من حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه ، قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « لما فدى إسحاق بالكبش قال اللَّه عز وجل : إن لك دعوة مستجابة . فقال له إبراهيم : تعجل دعوتك لا يدخل الشيطان فيها شيئا . قال إسحاق : اللهم من لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فاغفر له » . وكنية جماعة من الصحابيات رضي اللَّه تعالى عنهن أم كبشة ، منهن أم كبشة بنت معد يكرب عمة الأشعث بن قيس . روى الدارقطني عن معاوية بن حديج ، بحاء مهملة مضمومة ودال مهملة مفتوحة وبالجيم في آخره ، أن أم كبشة هذه سألت النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنها آلت أن تطوف بالبيت الحرام حبوا ، فقال لها

--> « 1 » سورة الصافات : الآيات 101 - 102 . « 2 » سورة هود : آية 71 . « 3 » سورة هود : آية 71 .