كمال الدين دميري
355
حياة الحيوان الكبرى
فلما أتاهم موسى بالآيات الأربع : اليد والعصا والسنين ونقص الثمرات ، أبوا أن يؤمنوا وأصروا على كفرهم . فدعا عليهم موسى عليه الصلاة والسلام فقال : رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغا وعتا ، وإن قومه قد نقضوا عهدك ، رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم ولقومي عظة ، ولمن بعدهم آية وعبرة ، فبعث اللَّه عليهم الطوفان ، وهو الماء أرسل اللَّه عليهم السماء ، وكانت بيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة ومختلطة ، فامتلأت بيوت القبط ، حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ، من جلس منهم غرق ، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة . وركد الماء على أراضيهم ، لا يقدرون على حرث ولا غيره من الأعمال أسبوعا من السبت إلى السبت ، وقال مجاهد وعطاء رضي اللَّه تعالى عنهما : الطوفان الموت . وقال وهب : الطوفان الطاعون بلغة اليمن ، وقال أبو قلابة : الطوفان الجدري ، وهو أول ما عذب به ، فبقي في الأرض . قال نحاة الكوفة : الطوفان مصدر لا يجمع كالرجحان والنقصان ، وقال أهل البصرة : هو جمع واحده طوفانة . فقالوا لموسى عليه السلام : ادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء ، فلئن كشف عنا هذا البلاء ، لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان ، وأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر ، وأخصبت بلادهم ، فقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا ، فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية . فبعث اللَّه تعالى عليهم الجراد ، فأكل عامة زرعهم وثمارهم وأوراق الشجر ، حتى أكل الأبواب وسقوف البيوت ، والخشب والثيات والأمتعة ، ومسامير الأبواب من الحديد ، حتى وقعت دورهم ، وابتلوا بالجوع ، فكانوا لا يشبعون ، ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء ، فعجوا وضجوا إلى موسى عليه السلام ، وسألوه رفع ذلك عنهم ، فدعا له فكشف اللَّه عنهم الجراد ، بعدما أقام أسبوعا من السبت إلى السبت . روي أن موسى عليه السلام برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب ، فرجعت الجراد من حيث جاءت . فأقاموا مصرين على كفرهم شهرا في عافية ، ثم بعث اللَّه تعالى عليهم القمل ، وقد تقدم ذكره ، فعجوا وضجوا ، وسألوا رفع ذلك عنهم ، وقالوا : إنا نتوب ، فدعا موسى عليه الصلاة والسلام ربه أن يرفع ذلك القمل فرفع اللَّه تعالى عنهم القمل بعدما أقام عليهم أسبوعا ، من السبت إلى السبت ، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم ، فأقاموا شهرا في عافية ، فبعث اللَّه عليهم الضفادع ، فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم ، وكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم ، وأطعمتهم وآنيتهم ، فلا يكشف أحد منهم طعاما ولا إناء إلا وجد فيه الضفادع ، وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى ذقنه ، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه . وكانت تلقي نفسها في القدر وهي تغلي ، فتفسد طعامهم ، وتطفىء نيرانهم ، ولا يعجنون عجينا إلا انشدخت فيه ، وإذا اضطجع أحدهم تركبه الضفادع ، حتى تكون عليه ركاما ، حتى لا يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر . فلقوا منها أذى شديدا ، فضجوا وصرخوا ، وصاحوا وسألوا موسى عليه السلام ، فقالوا : ادع لنا ربك يكشفها عنا ، فدعا ربه فرفع اللَّه تعالى عنهم الضفادع ، بعدما أقامت عليهم أسبوعا من السبت إلى السبت ، فأقاموا شهرا في عافية ، ثم نقضوا العهود وعادوا لكفرهم ، فأرسل اللَّه تعالى عليهم الدم ، فسال النيل عليهم دما ، وصارت مياههم دما ، فما يستقون من الآبار إلا دما