كمال الدين دميري

340

حياة الحيوان الكبرى

ثم اضطجع عليه وقال : أنا أبو حسن القرم ، واللَّه لا أبرح من مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما ، فلما رجعا قالا : ذهبنا إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقلنا : يا رسول اللَّه أنت أبر الناس ، وأوصل الناس ، وقد بلغنا النكاح ، وقد جئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات ، فنؤدي إليك ما يؤدي الناس ، ونصيب ما يصيبون . فسكت صلى اللَّه عليه وسلم طويلا ، ثم قال « 1 » : « إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد ، إنما هي أوساخ الناس ، ادعوا محمئة بن جزء ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب » . قالا : فجاآه ، فقال لمحمئة : « أنكح الفضل ابنتك » فأنكحه ، وقال لنوفل بن الحارث : « أنكح عبد المطلب ابنتك » . فأنكحه . وقال لمحمئة : « أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا » . وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم استعمله على الأخماس انتهى . ملخصا قوله أنا أبو حسن القرم ، هو بتنوين حسن ، والقرم مرفوع ، قال ذلك لأجل الذي كان عنده من علم ذلك . وكان رضي اللَّه تعالى عنه يقول هذه الكلمة عند الأخذ في بيان قضية تشكل على غيره ، وهو يعرفها . ولذلك جرى كلامه هذا مجرى المثل ، حتى قالوا : « قضية ولا أبا حسن لها » ، أي هذه قضية مشكلة وليس هناك من يبينها ، كما كان يفعل أبو الحسن رضي اللَّه تعالى عنه ، الذي هو علي بن أبي طالب . القرة : بالضم الضفدعة قاله الجوهري رحمه اللَّه تعالى . القسورة : الأسد ، قال اللَّه تعالى : * ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) * « 2 » . روى البزار بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه ، أنه قال : القسورة الأسد ، قال الشاعر : مضمر يحذره الأبطال كأنه القسورة الرئبال وروى ابن طبرزذ ، بإسناده إلى الحكم بن عبد اللَّه بن خطاب عن الزهري عن أبي واقد ، قال : لما نزل عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه الجابية ، أتاه رجل من بني تغلب ، يقال له روح بن حبيب بأسد في تابوت ، حتى وضعه بين يديه ، فقال رضي اللَّه تعالى عنه : أكسرتم له نابا أو مخلبا ؟ قالوا : لا . قال : الحمد للَّه سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « ما صيد مصيد إلا بنقص في تسبيحه » . يا قسورة اعبد اللَّه ، ثم خلى سبيله . وقد تقدم في باب الغين المعجمة ، أنه روي عن أبي بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنه مثل ذلك في الغراب . وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما في القسورة : هو بلسان العرب الأسد ، وبلسان الحبشة القسورة ، وبلسان فارس سير ، وبلسان النبط أرنا . وقيل القسورة فعولة من القسر ، وهو القهر ، سمي الأسد بذلك لأنه يقهر السباع ، وقال ابن جبير : القسورة رجال القنص ، وقيل القسورة الرجال الشداد ، وقال ثعلب : القسورة سواد أول الليل خاصة لا آخره ، والمعنى فرت من ظلمة الليل ولا شيء أشد نفارا من حمر الوحش . واللفظة مأخوذة من القسر الذي هو الغلبة والقهر .

--> « 1 » رواه مسلم : زكاة 167 ، 168 . أبو داود : إمارة 20 . النسائي : زكاة 95 . « 2 » سورة المدثر : آية 50 .