كمال الدين دميري

321

حياة الحيوان الكبرى

ومن طرق العقل الحميدة : القناعة وهي كنز لا يفنى ، والصدقة وهي عز باق ، وتمام عز الرجل استغناؤه عن الناس . ومن طرقه أيضا الحياء ، وقد قيل : إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه ومن طرقه أيضا حسن الخلق . روي عنه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا » « 1 » . وروي أن يحيى بن زكريا عليهما السلام لقي عيسى ابن مريم عليهما السلام فتبسم عيسى في وجهه ، فقال يحيى : ما لي أراك لاهيا كأنك آمن ! فقال عيسى : ما لي أراك عابسا كأنك آيس ! فقالا : لا نبرح حتى ينزل علينا وحي . فأوحى اللَّه تعالى إليهما : أحبكما إلي أحسنكما خلقا . تتمة : ذكر الغزالي وابن بلبان وغيرهما ، أن أبا جعفر المنصور حج ونزل في دار الندوة ، وكان يخرج سحرا فيطوف بالبيت ، فخرج ذات ليلة سحرا فبينما هو يطوف ، إذ سمع قائلا يقول : اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع . فهرول المنصور في مشيته حتى ملأ مسامعه ، ثم رجع لدار الندوة ، وقال لصاحب الشرطة : إن بالبيت رجلا يطوف فائتني به . فخرج صاحب الشرطة فوجد رجلا عند الركن اليماني ، فقال : أجب أمير المؤمنين ، فلما دخل عليه ، قال : ما الذي سمعتك آنفا تشكو إلى اللَّه من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع ؟ فو اللَّه لقد حشوت مسامعي ما أمرضني ! فقال له : يا أمير المؤمنين إن الذي دخله الطمع حتى حال بين الحق وأهله ، وامتلأت بلاد اللَّه بذلك بغيا وفسادا أنت ! فقال المنصور : ما هذا ؟ أو قال : ويحك كيف يدخلني الطمع ، والصفراء والبيضاء ببابي ، وملك الأرض في قبضتي ؟ ! فقال الرجل : سبحان اللَّه يا أمير المؤمنين ، وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك ؟ استرعاك اللَّه أمور المؤمنين وأموالهم ، فأهملت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم ، واتخذت بينك وبين رعيتك حجابا من الجص والآجر ، وحجبة معهم السلاح ، وأمرت أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان ، نفرا استخلصتهم لنفسك ، وآثرتهم على رعيتك ، ولم تأمر بإيصال المظلوم ، ولا الجائع ولا العاري ولا أحد إلا وله في هذا المال حق ! فلما رآك هؤلاء الذين استخلصتهم لنفسك ، وآثرتهم على رعيتك ، تجمع الأموال ولا تقسمها ، قالوا : هذا قد خان اللَّه ورسوله ، فما لنا لا نخونه ؟ فأجمعوا على أن لا يصل إليك من أمور الناس إلا ما أرادوا ، فصار هؤلاء شركاءك في سلطانك ، وأنت غافل عنهم ، فإذا جاء المظلوم إلى بابك ، وجدك قد أوقفت ببابك رجلا ينظر في مظالم الناس ، فإن كان الظالم من بطانتك ، علل صاحب المظالم بالمظلوم ، وسوّف به من وقت إلى وقت ، فإذا جهد وظهرت أنت ، صرخ بين يديك ، فيضرب ضربا شديدا ليكون نكالا لغيره ! وأنت ترى ذلك ولا تنكر ، ولقد كانت الخلفاء قبلك ، من بني أمية ، إذا انتهت إليهم الظلامة أزيلت في الحال . ولقد كنت أسافر الصين يا أمير المؤمنين فقدمته مرة ، فوجدت الملك الذي به قد فقد سمعه فبكى ، فقال له وزراؤه : ما يبكيك أيها الملك لا أبكى اللَّه لك عينا ؟ فقال : واللَّه ما بكيت لمصيبة

--> « 1 » رواه أبو داود : سنة 14 . وابن حنبل : 2 - 250 .