كمال الدين دميري

314

حياة الحيوان الكبرى

ثم أرسل حلقة الباب ، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال ، ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها ، فحينئذ جاءت قدرة الواحد الأحد القادر المقتدر ، فأصبح أبرهة متهيئا لدخول مكة وهدم البيت ، وقدم فيله محمودا أمام جيشه ، فلما وجه الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب ، كذا في سيرة ابن هشام . وقال السهيلي : نفيل بن عبد اللَّه بن جزء بن عامر بن مالك ، فأخذ بأذن الفيل وقال : ابرك محمودا وارجع راشدا فإنك في بلد اللَّه الحرام . ثم أرسل أذنه ، فبرك الفيل فضربوه بالحديد حتى أدموه ليقوم فأبى ! فوجهوه إلى اليمن فقام يهرول ، فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، فوجهوه إلى مكة فبرك . فعند ذلك أرسل اللَّه تعالى عليهم طيرا أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل ، فتساقطوا بكل طريق ، وهلكوا على كل منهل ، وأصيب أبرهة حتى تساقط أنملة أنملة ، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر ، فما مات حتى انصدع قلبه عن صدره ، وانفلت وزيره وطائر يحلق فوقه ، حتى بلغ النجاشي ، فقص عليه القصة ، فلما أتمها وقع عليه الحجر ، فخر ميتا بين يديه . وإلى هذه القصة أشار النبي صلى اللَّه عليه وسلم بقوله في الحديث « 1 » الصحيح : « إن اللَّه تعالى حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليها رسوله والمؤمنين » . وفي صحيح « 2 » البخاري وسنن أبي داود والنسائي ، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي اللَّه تعالى عنهما ، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه ، قالا : خرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم زمن الحديبية ، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته ، فقال الناس : حل حل فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء ، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل » . الخلاء في الإبل كالحران في الخيل ، والمعنى في التمثيل بحبس الفيل أن الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم ، لو دخلوا مكة لوقع بينهم وبين قريش قتال في الحرم ، وأريق فيه دماء وكان منه الفساد ولعل اللَّه سبحانه وتعالى قد سبق في علمه ، ومضى في قضائه ، أنه سيسلم جماعة من أولئك الكفار ، وسيخرج من أصلابهم قوم مؤمنون ، فلو استبيحت مكة لانقطع ذلك النسل وتعطلت تلك العواقب واللَّه أعلم . قيل : كان أبرهة المذكور جد النجاشي الذي كان في زمن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وكان مولد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عام الفيل ، بعد هلاك أصحاب الفيل بخمسين يوما ، قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها : رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس بمكة . وروي أن عبد الملك بن مروان ، قال لقباث بن أشيم الكناني : يا قباث أنت أكبر أم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ؟ فقال : رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أكبر مني ، وأنا أسن منه ، ولد صلى اللَّه عليه وسلم عام الفيل ، ووقفت بي أمي على روث الفيل وهو أخضر ، وأنا أعقله . قال السهيلي : قوله فبرك الفيل ، فيه نظر ، لأن الفيل لا يبرك ، فيحتمل أن يكون فعل فعل البارك ، الذي يلزم موضعه ، ولا يبرح ، فعبر بالبروك عن ذلك . ويحتمل أن يكون بروكه سقوطه إلى الأرض ، لما دهمه من أمر اللَّه سبحانه وتعالى .

--> « 1 » رواه البخاري : علم 39 ، لقطة 7 . ومسلم : حج 447 . « 2 » رواه البخاري : شروط 15 . وأبو داود جهاد 156 .