كمال الدين دميري

293

حياة الحيوان الكبرى

خرجت النبوة من بني إسرائيل . ثم قال : لا تفرحوا به فو اللَّه ليسطون عليكم سطوة ، يخرج خبرها إلى المشرق والمغرب . وذكر الكلبي ، في تفسير قوله تعالى : * ( وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ ) * « 1 » الآية ، أن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة ، بعدما رفع عيسى عليه الصلاة والسلام يصلون إلى القبلة ، ويصومون رمضان ، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب ، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس ، وكان قتل جملة من أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام ، فقال يوما لليهود : إن كان الحق مع عيسى فكفرنا به فالنار مصيرنا ، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار ، ولكن سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار ، وكان له فرس يقال له العقاب ، يقاتل عليه ، فعرقب فرسه وأظهر الندامة ، ووضع على رأسه التراب ، فقالت له النصارى : من أنت ؟ فقال : بولس عدوكم ، وقد نوديت من السماء أن ليس لك توبة إلا أن تتنصر ، وقد تبت ، فأدخلوه الكنيسة ، فدخل بيتا فيها ، فأقام سنة لا يخرج منه لا ليلا ولا نهارا ، حتى تعلم الإنجيل ، ثم خرج ، فقال : نوديت أن اللَّه تعالى قد قبل توبتك ، فصدقوه وأحبوه . ثم مضى إلى بيت المقدس ، واستخلف عليهم نسطور ، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة ، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت ، وقال لهم : لم يكن عيسى بإنس ولا بجن ولكنه ابن اللَّه ، وعلم ذلك رجلا يقال له يعقوب ، ثم دعا رجلا يقال له يعقوب ، ثم دعا رجلا يقال له ملكان ، وقال له : إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى ، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا ، وقال لكل واحد منهم : أنت خالصتي وقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني . وقال لكل واحد منهم : إني غدا أذبح نفسي فادع الناس إلى نحلتك ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ، وقال : إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى . فلما كان يوم ثالثة دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته ، فتبع كل واحد منهم طائفة من الناس ، فافترقت النصاري ثلاث فرق : نسطورية ويعقوبية وملكية ، فاختلفوا واقتتلوا ، فقال اللَّه تعالى : * ( وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ ) * « 2 » الآية . قال أهل المعاني : لم يذكر اللَّه تعالى قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورا . وذكر الإمام ابن بليان والغزالي وغيرهما ، أن الرشيد لما ولي الخلافة زاره العلماء بأسرهم ، إلا سفيان الثوري فإنه لم يأته ، وكان بينه وبينه صحبة ، فشق عليه ذلك ، فكتب إليه الرشيد كتابا يقول فيه : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، من عبد اللَّه هارون أمير المؤمنين ، إلى أخيه في اللَّه سفيان بن سعيد الثوري ، أما بعد يا أخي ، فقد علمت أن اللَّه آخى بين المؤمنين ، وقد آخيتك في اللَّه مؤاخاة لم أصرم فيها حبلك ، ولم أقطع منها ودك ، وإني منطو لك على أفضل المحبة ، وأتم الإرادة ، ولولا هذه القلادة التي قلدنيها اللَّه تعالى ، لأتيتك ولو حبوا لما أجد لك في قلبي من المحبة ، وأنه لم يبق أحد من إخواني وإخوانك ، إلا زارني وهنأني بما صرت إليه ، وقد فتحت بيوت الأموال ، وأعطيتهم المواهب السنية ما فرحت به نفسي ، وقرت به عيني ، وقد استبطأتك ، وقد كتبت كتابا

--> « 1 » سورة التوبة : آية 30 . « 2 » سورة التوبة : آية 30 .